حوار مع دلال القرافلي حول دور العمل الجمعوي والثقافي في بناء شخصية
الطفل، وتعزيز القراءة والفن والإدماج والمشاركة، والاستثمار في جيل المستقبل.
دلال القرافلي: العمل الجمعوي فضاءٌ لبناء الطفل وصناعة المستقبل
قراءة في دور العمل الجمعوي والثقافي في تنمية شخصية الطفل، وتعزيز القراءة والإبداع والإدماج والمشاركة.
دلال القرافلي ناشطة في المجال الجمعوي وفاعلة في المشهد الثقافي بمدينة القصر الكبير، ارتبط مسارها بالثقافة والقراءة والتراث والمبادرات المدنية. في هذا الحوار، نتوقف معها عند موقع الطفولة داخل العمل الجمعوي والثقافي، ودور القراءة والفنون والتراث في بناء شخصية الطفل، إلى جانب قضايا الإدماج والمشاركة والتحديات التي تواجه المبادرات الموجهة إلى الطفولة.
من الثقافة والعمل الجمعوي إلى الاهتمام بالطفولة
أؤمن بأن الثقافة لا ينبغي أن تبقى حبيسة الكتب أو الفضاءات المغلقة، وإنما ينبغي أن تتحول إلى فعل يلامس الإنسان والمجتمع ويمنحه فرصة للتعبير والمشاركة.
ومن خلال الاحتكاك بالمجال الثقافي والجمعوي، اكتشفت أن العمل الجمعوي يفتح إمكانات واسعة للوصول إلى فئات مختلفة، وخلق فضاءات للحوار والإبداع والتعلم خارج الأطر التقليدية.
أما الطفولة، فقد أصبحت بالنسبة إليّ مجالًا يستحق اهتمامًا خاصًا، لأن الطفل يوجد في مرحلة أساسية من بناء شخصيته. وما نمنحه له في هذه المرحلة من معرفة وقراءة وفن وثقة بالنفس وقدرة على التعبير، يمكن أن يترك أثرًا يمتد معه إلى مراحل لاحقة من حياته.
لذلك أرى أن الاهتمام بالطفولة ليس مجالًا منفصلًا عن العمل الثقافي والجمعوي، بل هو أحد أكثر مجالاته أهمية، لأن الاستثمار في الطفل هو في النهاية استثمار في الإنسان وفي المجتمع.
العمل الجمعوي وبناء شخصية الطفل
أعتقد أن العمل الجمعوي الموجه إلى الطفولة ينبغي أن يتجاوز مفهوم النشاط الترفيهي أو المناسباتي. فالطفل لا يحتاج فقط إلى من يملأ وقت فراغه، وإنما يحتاج إلى فضاءات تساعده على اكتشاف ذاته وقدراته وبناء شخصيته.
يمكن للنشاط الثقافي أن يعلم الطفل الحوار، والعمل الجماعي، واحترام الاختلاف، وتحمل المسؤولية، والتعبير عن الرأي. ويمكن للمسرح والرسم والموسيقى والقراءة أن تمنحه أدوات للتعبير قد لا يجدها في حياته اليومية.
لذلك لا أرى أن نجاح الجمعية ينبغي أن يقاس بعدد الأنشطة التي نظمتها، وإنما بما تركته هذه الأنشطة في شخصية الطفل: هل أصبح أكثر ثقة بنفسه؟ هل اكتشف موهبة؟ هل أصبح أكثر قدرة على التواصل؟ هل تعلم أن الاختلاف يمكن أن يكون مصدرًا للتعارف لا سببًا للإقصاء؟
«هنا يبدأ العمل الجمعوي الحقيقي في مجال الطفولة: عندما ننتقل من تنشيط الطفل إلى بناء شخصية الطفل.»
القراءة وبناء شخصية الطفل
لأن القراءة لا تمنح الطفل الكلمات فقط، وإنما تمنحه فرصة لفهم نفسه والعالم من حوله.
القراءة المشتركة تتيح للطفل أن يعيش تجربة القراءة إلى جانب الأب أو الأم أو المعلم أو المربي، ثم يناقش ما قرأه ويعبر عن رأيه ويتفاعل مع الشخصيات والأحداث. وهذا يساعده على تطوير مهارات الاستماع والتحدث والتعبير، ويعزز رصيده اللغوي وثقته في قدرته على التواصل.
لكن القراءة في جوهرها أبعد من تنمية اللغة؛ إنها تفتح للطفل باب الخيال.
المشكلة أننا أحيانًا نقدم الكتاب للطفل باعتباره واجبًا مدرسيًا ينبغي إنجازه، بدل أن نقدمه باعتباره مغامرة واكتشافًا ومتعة.
الفن لغة أخرى للطفولة
الفن بالنسبة إلى الطفل إحدى لغاته الأساسية.
قد لا يستطيع الطفل أن يعبر بالكلمات عما يشعر به، لكنه يستطيع أن يرسمه أو يمثله أو يحوله إلى قصة أو أغنية أو قصيدة. ولذلك فإن الفن يمنحه مساحات متعددة للتعبير عن ذاته.
المسرح، مثلًا، يعلم الطفل الجرأة والانضباط والعمل الجماعي والإصغاء إلى الآخر. والرسم يفتح أمامه مجال الخيال. والموسيقى تنمي الإحساس والإنصات. والشعر يمنحه فرصة للتعامل مع اللغة باعتبارها فضاءً للإبداع لا مجرد مادة دراسية.
ومن هنا أرى أن دور الجمعيات الثقافية لا ينبغي أن يقتصر على تقديم الثقافة للأطفال، بل يجب أن يمنحهم فرصة لإنتاج الثقافة بأنفسهم.
الثقافة وإدماج الأطفال
الثقافة يمكن أن تكون من أقوى أدوات الإدماج، شرط ألا ننظر إلى الطفل في وضعية إعاقة باعتباره مجرد شخص يحتاج إلى المساعدة.
الأصل هو أن نراه باعتباره طفلًا يمتلك مواهب وقدرات، ويحتاج إلى فضاء مناسب حتى يظهرها.
ومن خلال بعض التجارب والأنشطة الثقافية التي عايشتها، ومنها أنشطة شارك فيها أشخاص مكفوفون وضعاف البصر، ازداد اقتناعي بأن الفن قادر على تجاوز كثير من الحواجز، وأن الاختلاف لا ينبغي أن يكون سببًا للإقصاء، وإنما يمكن أن يكون مصدرًا للتنوع والإبداع.
ولهذا ينبغي أن تكون الأنشطة الجمعوية والثقافية مفتوحة أمام جميع الأطفال، مع توفير الظروف التي تسمح لكل طفل بالمشاركة وفق قدراته واحتياجاته.
التراث في وجدان الطفل
التراث بالنسبة إليّ ليس شيئًا محفوظًا في الكتب والمتاحف، وإنما ذاكرة حية يمكن أن تساعد الطفل على فهم المكان الذي ينتمي إليه.
الحكاية الشعبية، والمثل، واللغز، والأغنية، واللعبة التقليدية، والحرفة، والعادات المحلية، كلها يمكن أن تتحول إلى مداخل تربوية وثقافية جذابة.
لكن المهم هو الطريقة التي نقدم بها هذا التراث للطفل. لا ينبغي أن نقول له فقط: «هذا تراثك، احفظه»، بل علينا أن نفتح معه حوارًا: لماذا كان أجدادنا يفعلون ذلك؟ ماذا تغير؟ ماذا بقي؟ وما الذي يمكن أن نتعلمه من الماضي؟
الطفل في العصر الرقمي
لا أعتقد أن الحل هو الدخول في حرب مع التكنولوجيا؛ فالطفل يعيش في عالم رقمي، ومن الصعب عزله عنه.
المطلوب هو أن نعلمه الاستخدام الواعي للتكنولوجيا، وأن نقدم له في الوقت نفسه بدائل ثقافية حقيقية وجذابة.
إذا كان الكتاب الذي نقدمه له مملًا، والنشاط الثقافي تقليديًا، والفضاء الذي نضعه فيه غير جذاب، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يختار الهاتف.
لذلك يجب أن نعيد التفكير في طريقة تقديم الثقافة. يمكن أن تكون هناك نوادٍ للقراءة تستفيد من الوسائط الرقمية، ويمكن للأطفال أن ينتجوا قصصًا مصورة أو تسجيلات صوتية، وأن يحولوا القصص إلى عروض مسرحية، وأن يستخدموا التكنولوجيا لإنتاج محتوى ثقافي بدل الاكتفاء باستهلاكه.
هل للطفل صوت في العمل الجمعوي؟
بالتأكيد، وأعتقد أن هذه النقطة أساسية إذا كنا نتحدث عن بناء شخصية الطفل.
أحيانًا نخطط لكل شيء نيابة عن الطفل ثم نطلب منه أن يشارك. لكن إذا كنا نريد طفلًا قادرًا على المشاركة في الحياة العامة والثقافية عندما يكبر، فعلينا أن نعلمه المشاركة منذ الصغر.
يمكن للجمعية أن تسأل الأطفال: ما الكتب التي تريدون قراءتها؟ ما الأنشطة التي تهمكم؟ ما الموضوعات التي تريدون مناقشتها؟ وما الذي ينقصكم في فضاءاتكم الثقافية؟
قد تبدو هذه الأسئلة بسيطة، لكنها تعلم الطفل أن رأيه مهم، وأن المشاركة ليست مجرد حضور جسدي في نشاط ينظمه الكبار.
الطفل ليس مجرد مستفيد
احترام صوت الطفل لا يعني أن نترك له كل القرارات، وإنما أن نمنحه مساحة حقيقية للتعبير والمساهمة والاختيار ضمن إطار تربوي آمن. فالطفل الذي يتعلم أن صوته مسموع اليوم، سيكون أكثر استعدادًا لأن يكون مواطنًا مشاركًا غدًا.
تحديات العمل الجمعوي الموجه إلى الأطفال
أعتقد أن من أبرز التحديات الاستمرارية.
من السهل تنظيم نشاط جميل في يوم واحد، لكن الأصعب هو بناء مشروع يمتد طوال السنة، له أهداف واضحة، وطاقم مؤهل، وآليات للمواكبة والتقييم.
الطفل يحتاج إلى الاستمرارية؛ نادي قراءة يلتقي بانتظام، وورشة مسرح تتطور، ومشروع فني يتابع المواهب، وأنشطة تجعل الطفل ينتقل تدريجيًا من المشاركة إلى المبادرة.
كما نحتاج إلى مزيد من التكوين للفاعلين الجمعويين الذين يعملون مع الأطفال، لأن الحماس وحسن النية وحدهما لا يكفيان. التعامل مع الطفل يحتاج إلى معرفة بخصائص مراحل نموه، وبطرق التواصل معه، وبكيفية احترام خصوصيته وفرديته.
ونحتاج أيضًا إلى شراكات حقيقية بين الجمعيات والمدرسة والأسرة والمؤسسات الثقافية والجماعات الترابية.
الطفل ومستقبل المجتمع
أقول إن الطفل ليس مستقبل المجتمع فقط، بل هو حاضر المجتمع أيضًا.
علينا ألا نؤجل الاهتمام به إلى أن يكبر. ما نزرعه فيه اليوم من قيم وثقة بالنفس وحب للمعرفة واحترام للآخر وقدرة على الحوار والإبداع، سيظهر أثره في المجتمع بعد سنوات.
قد نعطي الطفل كتابًا فنفتح أمامه عالمًا كاملًا، وقد نمنحه فرصة للوقوف على خشبة المسرح فنمنحه الثقة، وقد نصغي إلى فكرته فنعلّمه معنى المشاركة، وقد نوفر له فضاءً آمنًا للإبداع فنكتشف موهبة كانت ستظل مخفية.
لهذا أؤمن بأن العمل الجمعوي في مجال الطفولة ليس نشاطًا هامشيًا أو موازيًا، وإنما هو استثمار ثقافي وتربوي وإنساني في الإنسان الذي سيصنع الغد.
رسالة إلى الطفولة
«أجمل رسالة يمكن أن نقدمها للطفل هي أن نقول له بالفعل لا بالكلمات فقط: أنت مهم، صوتك مهم، خيالك مهم، وأحلامك تستحق أن تجد من يصغي إليها ويساعدك على تحويلها إلى إمكانات حقيقية.»
