📁 تدوينات جديدة

عطر يجذبني | قصة: سعاد الرايس

عطر يجذبني | قصة: سعاد الرايس
 سعاد الرايس | المغرب

في عمارة هادئة، اعتاد حميد أن يسمع حكايات الجيران، حتى لفتت انتباهه أختان تختلفان في الطباع والاهتمامات. ومع مرور الأيام، بدأ يكتشف أن ما يجذب الإنسان حقًا قد لا يكون ما تراه العين أولا.

عطر يجذبني | قصة: سعاد الرايس

من الشقة المجاورة لبيت الأسرة، كانت أحيانًا تأتي أصوات الجيران تطرق سمع الشاب حميد أثناء أحاديثهم بصوت مسموع. فقد كانت نوافذ بيت الجيران قريبة من نافذة غرفته، وكانت تلك الأصوات تترك في نفسه انطباعًا عن سوء تفاهم يحدث بين الأختين منال وهبة. إنهما ابنتا الجيران في الشقة رقم 3 في نفس الطابق الأول من العمارة، حيث يقيم حميد مع أسرته.

مع مرور الوقت ومضي الشهور، اعتاد حميد على سماع كلام الجيران، واستطاع أن يميز بين صوت منال الحاد وصوت أختها الهادئ، وتأكد له ذلك من رؤيته أحيانًا للأختين عند مرورهما بالحي أثناء ذهابهما أو رجوعهما من الثانوية، وأحيانًا حين يصادف خروجه صباحًا إلى عمله وقت ذهابهما للدراسة، فتُلقيان عليه تحية الصباح قبل أن يسبقهما بخطوات ذاهبًا إلى عمله، فقد كان حميدًا محاميًا حديث العهد بالعمل بعد تدربه في البداية بمكتب أحد المحامين الكبار.

عطر يجذبني | قصة: سعاد الرايس

كان الشاب حميد يلاحظ في تصرفات منال دلالا واضحا، ويميزها عطر جذاب واهتمامها الكبير بأناقة لباسها، بينما أختها هبة كان طبعها هادئًا، ويميزها حياء في نظرتها وبساطة في المظهر، وكأنها واثقة من نفسها وجمالها أكثر من أختها. ولا شك أن سوء التفاهم بين الأختين كان يحدث بسبب هذا الاختلاف بينهما في الطبع وفي الاهتمامات.

منال لها عدة صديقات ومتابعة لعالم الموضة والأزياء، فهي مولعة بزيارة المتاجر وشراء كل جديد، بينما أختها الأصغر منها بسنة كانت محبة لمطالعة الكتب وارتِياد المكتبة العامة بالمدينة للبحث عما يفيدها في دراستها.

استطاع الأستاذ المحامي حميد أن يكون هذه الصورة عن البنتين حين كان يسمع والدتهما غاضبة تعاتب منال بصوت عالٍ، وتنهاها عن مخالطة الصديقات اللواتي لا نفع من صحبتهن. وكلما عاتبت الأم ابنتها منال ودعتها للاقتداء بأختها هبة، كانت منال تغار وتتهم أختها بأنها السبب في استياء أمها منها.

التحقت منال بعد المرحلة الثانوية بالجامعة، وبعد سنة لحقت بها هبة للدراسة بنفس الجامعة. كانت الأختان تتابعان الدراسة بنجاح، لكن منال كانت تراوغ بعض الأحيان للتغيب عن حضور بعض المحاضرات، وتسمح لنفسها بأوقات تسلية ومجالسة بعض الرفيقات والطلبة في المقاهي.

أما جارهما الشاب حميد، فقد بقي مهتمًا بتتبع أخبارهما، وبدأ يفكر في الزواج. وفي أحد الأيام طلب من والديه الذهاب عند الجيران ليطلب يد إحدى البنتين، فرحب والداه برغبته وطلبه، وحددا موعدًا مع جيرانهم لزيارتهم.

عطر يجذبني | قصة: سعاد الرايس

أخبر الجيران ابنتيهما بالموضوع، وعمت الفرحة أرجاء البيت، فالجميع يعرفون حميدًا بأخلاقه الحسنة وسمعته الطيبة كمحامٍ ناجح في عمله.

استعدت أسرة البنتين لاستقبال الضيوف، وطرق الشاب حميد ووالداه باب الجيران، فتم الترحيب بهم وتجاذبوا أطراف الحديث، ثم كانت المفاجأة حين طلب الأستاذ حميد يد هبة.

علت زغاريد الأهل أرجاء البيت حين وافقت هبة على طلب الزواج، وهي في غاية الدهشة والفرح، بينما ابتسامة باهتة بدت على محيا أختها منال.

وحين عاد الشاب حميد مع والديه إلى البيت، سألته أمه كيف وقع اختياره على هبة رغم جاذبية عطور منال، فأجابها بهدوء وثقة:

«لقد جذبني العطر الحقيقي في شخصية هبة وروحها الجميلة».

ابتسمت والدته معجبة برأيه، كما أيد والده اختياره قائلًا:

«اختيار مبارك يا ولدي، الله يسعدكما».

ثم نظر الرجل إلى زوجته مضيفًا:

«ابننا رجل قانون يعرف الحياة، ويعرف جيدًا التمييز بين جودة العطور».

تعليقات