📁 تدوينات جديدة

مسجد... وإمام! | قصة: عبد الرحيم الدباغ

مسجد... وإمام! | قصة: عبد الرحيم الدباغ
 عبد الرحيم الدباغ | المغرب

في الثقافة الشعبية، كان المسجد، ولا ما يزال، أحد الأضلاع الأساسية في كل حي ومدينة... فهو ليس أيقونة مكانية بصومعته الشاهقة التي ترتفع، وفي ارتفاعها يرتفع قدر كل من يلجه فحسب، بل حتى بصوت النداء المتردد في الأوقات المضبوطة... هذا النداء الذي كان يدير حياة سكان الحي... لدرجة أنه بمجرد سماعه يعيد كل شخص ضبط عمله إسراعاً أو تخفيفاً أو تركاً... لم يكن المسجد في أذهاننا مجرد مكان يقصده المصلون، كما الخائفون، والذين ضاقت بهم سبل الحياة... لقد كان مكاناً يملأ ذكره الأحاديث اليومية داخل كل أسرة... وهو أمر جعلنا -ونحن صغار- نوقر هذا المكان ذكراً وسلوكاً. فهو رمز للصلاح والاستقامة والأمان... وأما الإمام فقد اشتق له من الصلاح والاستقامة والتوقير ما كان يعنيه المسجد...

كان حينا بسيطاً شعبياً يبعد بضعة أميال عن مركز المدينة... وبه مسجد صغير يسع المصلين ممن يسكنون الحي... وفي بعض المناسبات الدينية يغص بهم المسجد ولا يسعهم، فيضطرون لأداء الصلاة في مساجد مجاورة أو في بيوتهم... وكان إمام هذا المسجد، رحمه الله، رجلاً متديناً كبيراً في السن، ذا صوت مميز. ما فتئ صوته يتردد في أذني إلى الآن... ولم يكن يضطلع بوظيفة الإمام فقط، بل كان مؤذناً أحياناً، وطرفاً لفض النزاعات التي تنشب بين سكان الحي أحياناً أخرى...

كنا نتوجه إلى المسجد زرافات أو وحداناً أو رفقة آبائنا، فتقل عند ذاك فوضانا الطفولية فيه، وتنخفض أصوات قهقهاتنا. وكان الكبار يزرعوننا متفرقين في الصفوف بينهم كي لا يصل إزعاجنا إلى الحد الذي لا يطاق... ومن خلال هذه الصرامة التي كان الكبار يواجهون بها ضجيج الصغار في المسجد، ارتفع قدر هذا الفضاء في نفوسنا الصغيرة؛ فكنا نمسك ضحكاتنا الطفولية مسكاً حتى تنقضي الصلاة...

كان والدي، رحمه الله، من المبكرين للصلاة، لا تفتر عزيمته على المواظبة على أداء الصلوات الخمس في المسجد شتاءً أو صيفاً. وإذا ما حدث أن امتلأ بيتنا بالضيوف، فالأمر لا يهمه، فالصلاة أولاً وآخراً... كان، رحمه الله، لا يأمرني بالصلاة بشكل مباشر، ولكنه كان يقدم أمامي مشهداً حياً للالتزام بهذه الفريضة الجليلة. وكأنه يمارس ما نصطلح عليه الآن في باب التربية بـ"التربية بالقدوة".

كان هذا المسجد بسيطاً شكلاً ومحتوىً. فنادراً ما كان يضم فضاؤه دروساً دينية تزيد من تجويد العبادة. وقد كنا في أمس الحاجة إلى هذه الدروس في المسجد، إذ لم نكن نعرف التكنولوجيا ولا وسائلها الحديثة. اللهم آلات التسجيل، وقد كانت ترمز حينذاك إلى اليسر والغنى. فكل درهم يتحصل للأسرة محكوم عليه إما بالادخار أو بشراء القوت...

كان يوم الجمعة يوماً مميزاً؛ ذلك أننا كنا نشد الرحال نحو المسجد الكبير في مركز المدينة حيث تقام صلاة الجمعة. كان منظر ذهاب المصلين من كل حدب وصوب إلى المسجد وإيابهم منه منظراً سريالياً، لطالما ذكرني، على حداثة سني، بيوم الحشر. فقد ترى بجانبك في الطريق الراكبَ والراجلَ والشيخَ والفتى والشابَّ والفقيرَ والميسورَ والسليمَ والعليلَ...

لا أنسى منظر السي بوجمعة -أطال الله في عمره- وهو يقف بجسمه القوي وقامته الفارعة أمام قدر كبير حوى ماء خُصص للوضوء. وكنت أرى الرجل بالنشاط نفسه يصب الماء لكل من يقف أمامه، لا ينهر صغيراً ولا يمتعض من كبير... يصب الماء الساخن في الآواني البلاستيكية صباً ليناً ولسانه يلهج بذكر الله...

ظل على هذه الحال إلى أن صار للمسجد سخان غاز يغنيه عن مشاق جمع الخشب وحرارة الشمس ولهيب النار...

كبرنا وكبر في نفوسنا البريئة الأمل في أن يصير لحينا مسجد رحب يسع أفواج المصلين. وقد كان...

استيقظنا يوماً على حادث مفاجئ، وهو وجود حفرة غريبة بمحاذاة حمام الحي. حفرة أسالت مداد عديد من الأسئلة نظير: من حفرها؟ ولمَ؟...

ثم جاءت الجرافات والشاحنات تهدر محركاتها، وبجانب الحفرة استقرت... لم نكن نعرف آنذاك أنها جاءت بخيوط أحلامنا. كانت البناية المجهولة تكبر شيئاً فشيئاً مرتفعة عن الأرض، وتكبر معها أسئلتنا حولها... لم يكن في علم أحد هوية هذه البناية الضخمة، ولا صاحبها... مرت الأيام تترى...

وبينما كنت رفقة زميلي، كعادتنا، نتجاذب أطراف الحديث تحت عمود الكهرباء المحاذي لبيته، وكم كان هذا العمود شاهداً على نقاشات صبيانية تارة، وجدية تارة أخرى. عمود شكل مركز روتيننا اليومي... بل شكل تربة بُذرت فيها كل أحلامنا التي كنا نراها بعيدة المنال... ما زلت أذكر أنه مر علينا أحد زملائنا، يزف خبر اكتمال مسجد الحي وافتتاحه لصلاة العصر... كان صديقنا يتحدث بنوع من الاندهاش عن هذا الصرح العظيم الذي لم نشهد مثله في حينا البسيط والهامشي...

-حينما تخرج من مرافق الوضوء مولياً وجهك نحو محرابه، يتراءى لك المصلي صغيراً جداً، وكأنك في صحراء... خاطبنا وهو في قمة الاندهاش الممزوج بالفخر.

-هل صليت فيه؟

-نعم بالطبع... وإمامه...

لم يكمل حديثه عن الإمام، وانصرف تاركاً في نفسينا كثيراً من الأسئلة الفضولية...

نظر إلي زميلي دون أن ينبس ببنت شفة، وبادلته النظرة نفسها.

نعم، قد عقدنا العزم على أداء صلاة المغرب في "المسجد".

كان المسجد تماماً كما وصف صديقنا. سقف شاهق، زينت بعض أجزائه بثريات مختلفة أحجامها. كانت مضيئة كلها وكأنها فرحة باستقبال المصلين الذين شكروا الله كثيراً على نعمته التي أنعم بها عليهم. وقد تخلل شكرهم شكر المُحسنَيْن اللذين اشتريا آخرتهما قبل أن يشتريا قطعة الأرض ومواد البناء...

لا أخفي انبهاري بهذا الفضاء الذي انتبه القائمون على بنائه إلى كل صغيرة وكبيرة فيه، من باحة الصلاة إلى المكان المخصص للنساء إلى مرافق الوضوء التي تفضل صاحب الحمام المجاور -رحمه الله- بإعطاء أمره بعدم قطع تزويد المسجد بالماء الساخن. ولكن هذا الانبهار سيتضاعف لما دخل الإمام بمظهره الوقور وابتسامته الهادئة ملقياً السلام، وقد تقفاه مأموم يتبع خطواته نفسها. فعدل من وضعية مكبر الصوت، ولما انتهى المأموم من إقامة الصلاة، أمر المصلين بالاستقامة وإكمال الصفوف، ووضع المناكب بمحاذاة المناكب والأكتاف على الأكتاف... وجه وجهه نحو المنبر العظيم. تلك هي غاية هذه العبادة العظيمة... أن نتساوى أمام الخالق الكريم العظيم ونستشعر عظمته ودُنُوَّنا وقوته وضعفنا وغناه وفقرنا...

ولما استقر بالإمام المقام بحينا، تغير تصورنا لمجموعة من المفاهيم... معنى الصلاة... ومعنى المسجد... ومعنى الصلاة على الجنازة... ومعنى الخطبة... وصار المصلون شيئاً فشيئاً يستأنسون بهذه "الطفرة" التي قادها هذا الرجل. وأشهد الله أن له أفضالاً على حينا، إذ كان المُقدَّمَ في الأحزان كما الأفراح... ولم يكن ليفوت فرصة المناصحة والإرشاد في أي مناسبة. فتراه آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر... بوجه بشوش ولغة لا تخلو من ترهيب وترغيب... لشد ما كنت مندهشاً بشخصية الإمام وسمته والسلام الداخلي الذي تشعرك به هيئته. ومن أفضاله علينا أن قَرَّبنا من جنبه تقريباً، لاسيما في يومي الاثنين والخميس، لما كانا يخصصان للدروس الدينية بين العشاءين. وحدث مرة أن طلب منا قراءة القرآن ترتيلاً وتجويداً في مجلسه. وكانت سعادتنا غامرة ونحن نسمع أصواتنا تتردد في مكبرات صوت المسجد والمصلون من حولنا يباركون ويثنون... بل كان يطلب منا رفع الأذان بين الفينة والأخرى، وهو الأمر الذي كان يغيظ بعض الشيوخ في المسجد. غفر الله لهم جميعاً.

بحلول هذا الإمام بين ظهرانينا، صار أهل الحي يؤدون الصلاة وما شاكلها من عبادات عن علم بعد أن كانوا يؤدونها عن وراثة. وبعد أن كان الأهالي يتجهون أفواجاً يوم الجمعة نحو مسجد مركز المدينة لأداء صلاة الجمعة، أصبح مسجد حينا قبلة العديد من المصلين من خارج الحي لأداء هذه الشعيرة. أما التائبون، فقد وجدوا في الرجل ملاذهم ومنقذهم من طريق الضلال. فكان يستقبلهم بابتسامة ويحدثهم بلين حتى غدا المسجد ملجأهم الآمن.

دائماً ما كان المسجد فضاء يمثل الحضور المكاني والوجداني، وكانت حياتنا مضبوطة وفق إيقاع نداءات الأذان التي تملأ كل أرجاء حينا الصغير.

تعليقات