📁 تدوينات جديدة

من أنا؟ | قصة: غزلان المدني

من أنا؟ | قصة: غزلان المدني
 

غزلان المدني | المغرب

كانت السابعة صباحا حين استيقظ مصطفى، وصوت العصافير يملأ أفق حديقته المنزلية. أطل من النافذة متنفسا هواء الصباح المنعش، المختلط برائحة التراب المبلل بالأمطار، فتذكر أن هذا اليوم يحمل ذكرى ميلاده الخامس والعشرين.

دخل إلى المطبخ ليعد فنجان قهوته، التي أيقظت رائحتها في ذهنه ذكريات طفولية طمرت بلحد الذاكرة. هذه الذكريات حركت في قلبه الحنين، فحث الخطى نحو تلك الغرفة التي لم تفتحها المنظفة إلا مرات معدودة منذ خمسة عشر سنة. فلما أصبح أمام بابها، تردد مليا في فتحها، ثم وضع المفتاح في فتحة الباب وأداره ليسمع له طنينا جعل أوصاله ترتعد، إلا أنه تشجع وضغط على مقبض الباب الذي كان، في كل مرة، يمسكه بيد مرتجفة ولا يقوى على فتحه.

فتحه بتريث خوفا من أن يوقظ الذكريات النائمة بالأركان، وجاوز الباب بخطوات متثاقلة. لأول مرة تطأ قدماه هذه الغرفة التي جمدت فيها الحركة منذ زمن بعيد، وبات الغبار يغطي أرجاءها وكل ما يؤثثها. جلس بهدوء على السرير الذي جمدته برودة الزمن، فلم يحس بالدفء الذي كان يحسه من قبل. نظر إلى المصحف الموضوع على الطاولة، فمن يمسح عنه الغبار ويحول رسمه من حروف على الورق إلى أصوات مجودة تخترق الجدران لتصل إلى مسامعه في الحجرة المجاورة كل فجر؟ ثم ولى وجهه صوب النافذة حيث كان أصيص الزنبقة الذابلة، يستنجده لأن شذاها قد غاب عن أنحاء الغرفة بعدما غابت تلك الأيدي التي سقتها وأهدتها الحياة قبل سنوات.

أضحت الجدران تنعي حظها على اندثار الطلاء الذي طالما زينها، ثم نقل مقلتيه إلى الساعة الحائطية، فما زالت تحمل في قلبها صوت جدته وهي تقول له: «ابني مصطفى، أحضر لي السجادة، فقد حان موعد صلاة الظهر». ثم اقترب من المنضدة التي وضعت عليها صورتها بعناية، ومرر يده على ملامحها ليزيل ما عفرها من غبار، وهو يشعر بدمعة ساخنة تنزل على خده، وخاطبها بصوت يكاد يخنقه البكاء قائلا: «قومي يا كنز الذكريات، ضعي يدك على رأسي كما كنت... لماذا أنت صامتة؟»

تخيلها تقول له: «ما هذه الملابس المهترئة التي ترتديها؟» فأجابها: «ما وجدتك، جدتي...»

فأردفت قائلة: «لماذا انقطعت عن الدراسة؟»

قال: «لم تبقي معي...»

فانقطع صوتها كأنها غضبت منه، وعاد يسألها: «اليوم عيد ميلادي، تعرفين هذا، أليس كذلك؟

لكن لم يوقظني صوت تجويدك للقرآن.

كما أنني وجدت مائدة الفطور خالية من كعكتي المفضلة التي لم تتقنها يد أخرى غير يدك، ليس اليوم فقط، بل منذ سنوات عدة».

ولكنها كانت تتجاهل كلامه. فأحس بغصة في صدره وقرر مغادرة الغرفة، إلا أنه عندما استدار وهم بالانصراف، وقعت عينه على صندوق صغير خشبي يظهر نصفه من تحت السرير. تجاهله في الأول كأي شيء آخر، غير أنه قبل أن يخطو خطوته الأخيرة خارج الحجرة، تملكه الفضول، فعاد القهقرة إلى حيث الصندوق. انحنى إليه وأخذه بين يديه، ومسح ما علاه من غبرة، وتردد كثيرا في فتحه؛ إذ خيل إليه أن جدته تنظر إليه بشزر لأنه تطفل على أشيائها الخاصة، لكن سرعان ما أبعد تلك التخيلات، وأخذ يرسم في دماغه بعض التوقعات عما يملأ هذه العلبة الجميلة. حدث نفسه قائلا: «ربما تحتوي على مجوهرات ثمينة، أو نقود قديمة، أو... صور طفولية...»

إلا أن توقعاته خفقت برمتها حين فتحه، فقد وجد داخله مجموعة من الرسائل. بدأ يقرؤها واحدة تلو الأخرى، وكلما قرأ أكثر ازدادت دهشته، وانفغر فاه، وجحظت عيناه أكثر فأكثر، ثم انتهى به الأمر مطروحا على الأرض بعد قراءة آخر سطر من الرسالة الأخيرة، وهو يتساءل: «كيـ... كيـ... كيف ذلك؟! لـ... لم تكن، لـ... لم تكن جدتي الحقيقية؟!

مـ... ما كان لها أبناء أبدا؟!»

ثم انتفض واقفا وهو يتساءل بصوت متهدج كالمجنون: «من... من أكون؟! من... من أنا؟

من أنا يا ترى؟»

تعليقات