غزلان الصدفي | المغرب
انقضى النهار، وما زلت أوزع نظري إلى باب المنزل، من أسفله إلى أعلاه،
غير مبالية بما يحيط به من غبار، ولا حتى بالأعشاش التي شكلت حاجزا بيني وبين مقبض
الباب الذي تأملته مليا، على أمل ألا يكرر اليوم نفسه، لكنه فعل. اليوم مثل الأيام
التي مضت، والغد يعصر من السأم والوحدة تفاصيله، فانسحبت منكسة الرأس ألعن وحدتي،
ثم قصدت المطبخ لأعد قهوتي، فالتقطت الفنجان نفسه الذي شربت فيه قبل ساعات أو
أيام، لا أذكر، فلست أدري منذ كم من السنين وضعتني فيها الحياة على حد الخنجر،
لكنني منذ يومها أتصنع العيش خارج الزمن.
سحبت الفنجان من آلة القهوة، وجلسنا على الأريكة معا نتبادل الأدوار؛ هي
تضاجع الليل خلسة، وأنا أحترق دفعة واحدة. وما إن أومأ الليل بالوداع، ورفعت
الأحزان أعناقها بداخلي، نمت حيث أنا.
أيقظتني في الظهيرة شمس تعامدت أشعتها على باب المنزل، وكأنها تسخر من
هوسي بترقب حركة الباب والانتظار، مع صوت رنين الهاتف الذي تكرر لعشرات المرات ولم
أكترث له؛ لأنني أعرف المتصل دون حاجة لأن أتفحص هاتفا لا يغرس في صدره إلا رقما
واحدا، وهو رقم أختي الذي سجلته بيدها. تركت سريري، وموضع فيه خال يحدق في جفاء،
ثم قصدت شرفة مطلة على الشارع المكتظ بالوجوه الواجمة والأقدام المسرعة الخطى، كل
إلى مسعاه، وأنا أترقبهم من شرفتي، أغالب وحدتي.
لا جديد تحت الشمس، بيد أن لحنا انساب على مسمعي كالوشاح، آتيا من الباب،
قاطعا ترقبي للمارة، ففتحت دونما اهتمام بروائح النوم والعينين الغائرتين والأقدام
الحافية، وتركت مقبض الباب يتحسس انتفاضة يدي.
ــ فع...فعلا...
مدت صدرها إلى الأمام وفتحت ذراعيها قائلة:
ــ اقتربي! ألم تشتاقي إلى أختك؟
ــ بيننا سبعة أشهر.
فضحكت وهي تمسك خصلة من شعري المبعثر:
ــ لا، ليس إهمالا مني، وإنما أختك منشغلة إلى حد التعب بالأولاد والزواج.
أومأت برأسي ولم أجب، فأخذت تتوسع في البيت، تتفحص الغرف والزوايا، ومن
خلفها زوجها ينثر الشتائم واحدة تلو الأخرى، معاتبا إياها على إصرارها بأن تكون
زيارتها لي زيارة جماعية. أما الطفلان فكلاهما تسمر ناظره علي، وجلست على ركبتي في
محاولة مني لألاعبهما بما تعلمته من كلمات الحب والملاطفة. ابتسم الأخ الصغير،
وأدخل يده في جيبه الضيق محاولا أن يخرج لي منه شيئا يحمل في بساطته قطعة تنقصني
على الأرجح، لكن الزوج عاد مسرعا وشد طفليه إليه، وانفلتت أذرع الأمل بيننا.
عادت إلينا أختي بعد دقائق، والكلمات تسبقها:
ــ ما مصيرك داخل هذه الأكوام من الأوساخ والثياب الملقاة في كل مكان؟
ــ نفس مصيركم لو أنني امتلكت قلبا مستعارا.
فصمتت قرابة الدقيقة، تتمعن النظر في وجهي دون أن تستقر عيناها مباشرة
نصب عيني، وظننتها في تلك اللحظة ستقرأ فيهما حكاية حزينة نهايتها مجهولة، بيد
أنها أخذتني إلى غرفتي، فجلست أنا لتظل هي شامخة أمامي، وقالت:
ــ اسمعيني، حديثي هذا معك هو الأخير، ولا أرغب في أن أكرره مرتين.
شعرت في تلك اللحظة بأنها ستضع حلا قاسيا لعزلتي واكتئابي، فأضافت:
ــ لن تواصلي العيش هنا وحدك، ستتزوجين، وعريسك جاهز، ما عليك إلا أن
تنزلي أرض الواقع بالموافقة.
لم أرد، واكتفيت بأن لفقت السكينة في وجهي، لتواصل بصوت يحمل من اللطف
قدر ما يحمله من الصرامة المؤذية، وعلمت حينها بأن حديثها ليس قرارا حاسما، وإنما
صفعة منها لأضع من جديد قلبي على رصيفهم، وقالت:
ــ سنمضي معك بضعة أيام حتى تتعافي تماما، وكذلك لنعيد منزل الأموات هذا
إلى بيت صالح للعيش.
فقاطعها زوجها، الذي لم أكن أحسبه خلف الباب يسترق السمع، وقال بكلمات
متقطعة:
ــ لا، لا أحد منا سيمضي ليلة واحدة هنا، سنغادر حالا.
فتركتهم وانصرفت إلى غرفتي، لكنها لحقتني وقرعت الأرض بقدميها، ثم توجهت
إلى النوافذ، فتحتها، وأخذت تنسق السرير وهي تقول بتردد، كمن حفظ دورا مسرحيا وآن
أن يعرضه على الجمهور لأول مرة:
ــ لمصلحتك...لن أنصرف من هنا إلا بعد أن أطمئن عليك في مصحة نفسية.
ــ الزواج أو المصحة...ما زال هناك لوحة ناقصة، التبرؤ مني مثلا!
تركتها قبل أن توجه رصاصتها الأخيرة نحوي، وجلست إلى مكتبي، ونازعني
حينها حزن رقيق إلى الأوراق البيضاء الماثلة أمامي، فاستجبت لها لأبعث من جديد أقل
بؤسا مما أنا عليه، لكنني سرعان ما انسحبت، فكلما ركبت حرفا فوق حرف، وجدت الكلمات
مولودا بشعا يزحف فوق أحشاء والدته، مخضبا بالولادة والموت معا، فتركت القلم.
ولم أنتبه في تلك الأثناء أن أختي تقرأ المكتوب على الأوراق؛ القديم منها
والحديث، الحزين منها والغاضب. فجلست بجانبي ومدت يدها تتحسس وجهي ببطء، وما لبثت
أن جفلت في خطوات تشابكت بخطوات زوجها، الذي سحبها بعنف خارج الغرفة، ثم سمعت
بعدها باب المنزل يهتز بقوة دونما ذنب.
وما إن حل الصمت بغرفتي من جديد، وندهني إلى سريري نوم عميق غاب عني
سنوات طوال، التقطت في تلك السكينة ورقة من الأوراق التي تفترش غرفتي، وحاولت أن
أنقل إليها بعضا مما كتمته أمام أختي، فكتبت:
"وأنا مثلكم كنت سأكون
لو أطلت
النظر
لو وضعت
يدي على يسار صدري برفق
ما كنت
آنذاك لأخلع أعضائي تحت المطر
لو أنصت
مرة واحدة لنداء القمر"
(غزلان الصدفي)
وكان مع كل سطر يفترش الورقة انتفاضة توقظ الظنون والخوف في الفؤاد. وما
زلت، في كل الأحوال، أتقن العيش داخل الزمن، فأنا لم أتصنع الخوف والرفض والخيبة
من قرارات أختي، فالقلوب المستعارة لا تخشى من الحياة سوى الحياة.
لذا قررت أن أنهي يومي بأن نفضت الغبار عن باب منزلي، وأصلحت مقبضه
المكسور، ثم فتحته على مصراعيه، وعدت مطمئنة إلى سريري لأنام لأول مرة والباب
مفتوح، وستائر النوافذ مفتوحة كذلك، لأستجيب لأول مرة لنداء القمر.
