فاطمة الزهراء كوش | المغرب
دخلا من الباب، شاب في ريعان شبابه، تتطاير الأحلام والطموحات من رأسه،
بذور في طور النمو، وأخرى أثمرت من تجاربه القليلة. طويل القامة، صغير الهيئة.
الثاني كهل بلغ الستين عامًا، مطبوخ الرأس، وافر التجربة. جلس كل واحد على طاولة
منفردة، أخذ الأول سيجارة ونفث دخانها، وانتظر مجيء النادل، فلما أقبل سأله:
_ ماذا تشرب؟
حدَّق فيه، وكان الآخر في العشرينات... وما أدراك... تمتم مع نفسه كلمات
تحسر... ثم سأله:
_ كم عمرك يا أخي؟ تبدو صغيرًا.
_ اثنان وعشرون عامًا.
تبارك الله... طول العمر.
_ أي مدينة؟
_ تازة.
_ خيرة الناس، هل تدرس؟
_ لا... فُصلت عنها بسبب مرض أمي التي أعيلها. قد رحل
أبي وأنا ابنها الوحيد... فلم تسنح لي فرصة إكمال الدراسة.
_ خير بار، الله يشفيها ويحفظها لك... قهوة سوداء في
فنجان أبيض، لو سمحت.
_ حاضر يا سيدي...
_ لا تقلها ثانية... لا تعجبني.
ابتسم: (أمرك).
ذهب النادل، ثم عاد وفي يده الفنجان وقنينة ماء صغيرة، ثم انصرف إلى زبون
آخر، لكنه ظل منشغلًا بأمره طيلة مدة قعوده، يلعن داخله الظروف التي تحرم الإنسان
من اكتساب العلم وكتابة حرف ينتفع به وينفع غيره... لمح إلى جانبه الرجل الكهل
الذي طلب ماء مطبوخًا بعشبة "اللويزة"، لا يدخن، تبدو عليه الرشاقة
النفسية والجسدية، وعلى مظهره الاعتناء... حاول التقرب منه، تراجع لوهلة، ثم ما
لبث أن طاوع فضوله، مناديًا:
_ سيمحمد! (كنية نطلقها على من نجهل اسمه).
حرك رأسه إلى الجانب ليقابل ملامح الشاب وهو ينفث دخان السيجارة الثالثة،
سائلًا:
_ نعم يا ولدي، ماذا هناك؟
_ لو تسمح لي بأخذ بعض من وقتك، إني أريد الحديث معك
قليلًا، إني أُثقلت بأسئلة صعب عليَّ الإجابة عنها!
_ اسأل ما تريد، ولا تُطل.
_ إني بالغ الرابعة والعشرين سنة، لازلت أدرس، وقد
لفتني أنك تقرأ كتابًا بتركيز وهدوء، وأنا شاب أطمح إلى أن أكون كاتبًا تلمس
كلماته حياة الناس وتقوم بتغييرهم... أؤمن بمهاراتي في الإبداع... لكني أخاف من
يوم أجدني بلا عمل أريده وغايات أحلم بتحقيقها... لقد أتيتك من ماضيك، فألهمني من
المستقبل، وأخبرني أن الأحلام تتحقق وتطفو فوق الوطن والظروف والمآسي التي تكابدها
الطبقات رديئة العيش، آخر همها خبزة بدرهمين وكيلو طماطم تدخل به السرور... ناهيك
عما يروج وتلتقطه أذناي من آلاف درسوا ولم يفلحوا في إيجاد عمل يريدونه ويتماشى مع
اختصاصاتهم. خوف يجتاحني يا عم كل صباح... أتساءل: ما ذنب هؤلاء الشباب الفذ أن
يكون آخر الطريق لهم قارب يرسو بهم على ميناء "إسبانيا"؟... أعطني ولو
علامة توحي أن ما نسعى إليه كل يوم سنراه يتغنج فرحًا أمام أعيننا يومًا ما...
صمت ولم ينبس بكلمة... اكتفى بابتسامة عذراء، ثم نهض مغادرًا... حتى
النادل أشار له بأن غدًا سيدفع له.
ابتسامة شغلته بشقاوة الاستفهام...
عاد إلى مكانه، دفع ثمن القهوة، وزيادة أعطى للنادل ورقة من فئة مائة
درهم تساعده في شراء الدواء، ثم طلب منه قبول كتاب، ولو أنه لا يعرف القراءة، ربما
يتعلم يومًا ما فيجد أمامه ما يبدأ به... أو يكون مثابة ضمير يوقظه كل مرة ويأخذ
خطوة ليتعلمها...
أما العجوز، فغادره برسالة استوعبها بعد تفكير مضنٍ، سرها: "لا
تنشغل بالبعيد وتنسى الحاضر، عش ولا تسأل عن الغد، فتجد اللحظة غادرتك كما فعلت
أنا، وبدون إذن".

