📁 تدوينات جديدة

قراءة نقدية في مقال «تأملات في الثقافة» للكاتب المغربي حسن امحيل | سعيدة محمد صالح

قراءة نقدية في مقال «تأملات في الثقافة» للكاتب المغربي حسن امحيل | سعيدة محمد صالح
 سعيدة محمد صالح | تونس

يندرج مقال «تأملات في الثقافة» ضمن الكتابة الفكرية التأملية التي تستنطق موقع الثقافة في زمن التحول الرقمي، لذلك لا يتأسس على المنهج التجريبي بقدر ما يقوم على بناء حجاجي يستدعي أبعادا سوسيولوجية وتربوية وسيميائية لفهم الثقافة بوصفها ممارسة لإنتاج المعنى والوعي.

1. من الثقافة بوصفها معرفة إلى الثقافة بوصفها معنى:

تتجاوز الثقافة في المقال حدود المعرفة والفنون لتغدو بوصلة لفهم الذات والعالم. ومن هذا المنظور تصبح الثقافة نسقا من العلامات والقيم والتأويلات التي تمنح التجربة الإنسانية قابليتها للفهم. فالمسألة تجاوزت مقدار ما نمتلكه من معلومات، إلى قدرتنا على تأويلها وتمييز دلالاتها. وهنا تتشكل إحدى أهم مفارقات المقال:

وفرة المعلومات لا تعني بالضرورة وفرة الوعي.

2. الثقافة في مواجهة الضجيج الرقمي:

ينطلق المقال من واقع اتصالي تتضاعف فيه الصور والمنصات والمحتويات وسرعة التداول، حيث يتحول فائض الاتصال أحيانا إلى فائض في الضجيج. ومن ثم تبرز الثقافة بوصفها قدرة على الانتقاء والتمييز، وعلى استعادة المسافة الضرورية بين الإنسان والمعلومة.

سيميائيا، يمكن قراءة هذا التوتر من خلال ثنائيات دلالية حاكمة:

المعلومة/المعنى، الضجيج/الصوت، السرعة/التأمل، الاستهلاك/الوعي، الوصول/الفهم.

ولا يبدو أن المقال يرفض التكنولوجيا في ذاتها، بقدر ما يدعو إلى إخضاعها لأفق ثقافي نقدي يجعل من الإنسان مؤولا للعلامات، لا مجرد مستهلك لها.

3. البعد التربوي والسوسيولوجي:

تكتسب الثقافة، في هذا السياق، وظيفة تربوية تتجاوز نقل المعرفة إلى تكوين القدرة على الاختيار والحكم والتأويل. فالإنسان المعاصر لا يواجه نقصا في المعلومات بقدر ما يواجه صعوبة في فرزها وإدراك سياقاتها. ومن هنا تتقاطع أطروحة المقال مع مفهوم التعلم مدى الحياة؛ إذ لم تعد الثقافة مرتبطة بالمدرسة أو الكتاب وحدهما، وإنما أصبحت حاضرة في الشاشة والشارع واللغة والصورة والحياة اليومية. وبذلك يغدو التعلم ممارسة اجتماعية مستمرة، وتصبح الثقافة أداة لبناء الذات والوعي بالآخر.

4. الثقافة والهوية:

يربط المقال الثقافة بسؤال الهوية، باعتبار الهوية بنية مغلقة، وباعتبارها معنى يتشكل باستمرار عبر الذاكرة واللغة والتفاعل مع الحاضر. فالثقافة تمنح الفرد أدوات قراءة ذاته وموقعه داخل عالم سريع التحول.

وهنا يمكن اختزال المسار الدلالي للمقال في:

الثقافة الوعي التأويل بناء الذات والهوية.

5. ملاحظات نقدية:

تكمن قوة المقال في اتساع رؤيته للثقافة وفي قدرته على وصلها بأسئلة التكنولوجيا والوعي والهوية. غير أن هذه القوة التأملية تقابلها بعض الحدود العلمية؛ فمفهوم الثقافة يظل واسعا ومتعدد الدلالات، كما أن بعض الأحكام المتعلقة بتأثير التكنولوجيا في القراءة والانتباه والوعي تحتاج إلى سند إمبيريقي ودراسات ميدانية حتى تنتقل من مستوى التأمل إلى مستوى البرهنة العلمية.

لذلك يمكن اعتبار المقال نصا فكريا مؤسسا لإشكالية بحثية أكثر منه دراسة علمية مكتملة الأدوات.

خاتمة

تكمن راهنية مقال «تأملات في الثقافة» في أنه يعيد طرح سؤال الثقافة من داخل التحول الرقمي: كيف نحافظ على المعنى وسط فائض العلامات والمعلومات؟

فالثقافة، في أعمق مستويات المقال، ليست مخزونا من المعارف، وإنما قدرة على إنتاج المعنى ومقاومة الاستهلاك الرمزي. ومن هنا تصبح مهمتها الأساسية أن تعلم الإنسان كيف يقرأ ما وراء المعلومة، وكيف يميز الصوت من الضجيج، والمعنى من التدفق، والوعي من مجرد الاتصال. ولعل قيمة المقال لا تكمن في تقديم إجابة نهائية عن أزمة الثقافة، وإنما في إعادة صياغة السؤال نفسه: في زمن أصبح فيه الوصول إلى المعرفة متاحا للجميع، هل تكمن الأزمة في نقص المعرفة، أم في فقدان القدرة على تأويلها؟

تعليقات