لم تعد الأسئلة الثقافية اليوم تقتصر على «ماذا نقرأ؟» أو «كيف نكتب؟» بل
أصبحت تدور حول «كيف نعيش؟» و«لمن ننتمي؟» و«بأي لغة نحلم ونفكر؟» وهي أسئلة
جوهرية تكشف عمق التحولات التي تشهدها المجتمعات. لم تعد الثقافة مجرد حقل
للإبداع، بل هي نظام للمعرفة، وبوصلة للاتجاه، ومختبر للهوية.
إننا نعيش اليوم في مفارقة مؤلمة: وفرة الوسائل، وشحّ الرسائل. انفجار في
أدوات التعبير، مقابل ضمور في التعبير ذاته. تزايد في عدد المنصات، وتراجع في
العمق والمحتوى. وفي خضم هذا الصخب، تبدو الحاجة إلى صوت ثقافي واضح، مستقل،
ومسؤول أكثر من أي وقت مضى.
لكن الثقافة لا تزدهر في الفراغ. إنها بحاجة إلى حاضنة نقدية، إلى فضاء
حرّ، إلى مؤسسات تحمي الاختلاف، لا تدجّنه. الثقافة بحاجة إلى أن تنزل من أبراجها
العاجية لتلامس الشارع، المدرسة، الشاشة، والمقهى. بحاجة إلى أن تستعيد دورها في
صياغة الوعي الجمعي، لا أن تكتفي بالتأريخ له من بعيد.
وإذا كانت التكنولوجيا قد منحت الإنسان قدرة غير مسبوقة على الوصول إلى
المعرفة، فإنها لم تمنحه بالضرورة القدرة على الفهم. هنا تمامًا، تبدأ مهمة
الثقافة: أن تبطئ الإيقاع، أن تعيد ترتيب الفوضى، أن تعلمنا التمييز بين الضجيج
والصوت. باتت الثقافة ساحة معركة معلنة بين التفاهة والمعنى، بين التسليع والوعي،
بين استهلاك الصور وبناء الفكر.
في النهاية، الثقافة ليست ترفًا لمن يملك الوقت، إنها ضرورة لكل من يملك
الإرادة. لأن الأمم لا تنهار فجأة، بل تبدأ سقوطها حين تتخلى عن أسئلتها، وتستبدل
عمقها بالبهرجة.
فلنكتب، ولنقرأ، ولنختلف… لأننا بذلك لا نحافظ فقط على ما تبقى من
المعنى، بل نبني ما هو قادم.
