أميرة فهري | تونس
أربع سنوات… ليست مجرد رقم في مسار زمني، ولا مدة عابرة تُقاس بالأيام
والأشهر؛ إنها تجربة امتدت فيها الكتابة، وتراكم فيها التعلم، وتعددت خلالها
اللقاءات الفكرية والثقافية، وترسخ فيها الإيمان بأن للكلمة قدرة على الوصول، وأن
للإبداع مكانا يستحق أن يُصان ويُمنح فرصته في الحضور.
قبل أربع سنوات، بدأت رحلتي مع منصة «الرائد»، التي أصبحت اليوم «أصداء
الفكر»، كاتبة وشاعرة، ولم أكن أدرك آنذاك أن المشاركة الأولى ستتحول إلى مسار
متواصل، وأن هذه المنصة ستصبح جزءا من تجربتي الأدبية والإعلامية، وفضاء أجد فيه
امتدادا لقلمي وقناعاتي، وعنوانا لعلاقة أساسها الإيمان بالكلمة ورسالتها.
خلال هذه السنوات، كانت «أصداء الفكر» بالنسبة إليّ فضاء رحبا للتعبير،
ومجالا أشارك من خلاله أفكاري وقراءاتي ورؤيتي لبعض القضايا التي تشغلني، وألتقي
عبره بأقلام وتجارب مختلفة أتعلم منها وأتفاعل معها.
بل إن هذه التجربة منحتني فرصة مهمة للتعرف إلى أساليب العمل الصحفي
وممارسته عن قرب، بفضل الأستاذة التي أكن لها كل الاحترام والتقدير، الأستاذة
«نوال فراح»، التي ما فتئت تنير لي الطريق بما تقدمه من معلومات قيمة ومفيدة. وكان
لي شرف أكبر بالعمل معها على أرض الميدان، والمشاركة في تغطية عدد من المهرجانات
والتظاهرات الثقافية، وهي تجربة أضافت إلى مساري الكثير، ووسعت نظرتي إلى العمل
الإعلامي والثقافي.
أربع سنوات من العمل مع «أصداء الفكر» جعلتني أكتشف أن نجاح المنصة
الثقافية يقاس أيضا بقدرتها على بناء بيئة تشجع الكاتب على الاستمرار، وتمنح
المبدع إحساسا بأن صوته مسموع، وأن ما يكتبه يجد من يقرأه ويقدره.
ولعل من أجمل ما لمسته في هذه التجربة ذلك التنوع الذي يميز «أصداء
الفكر»؛ فهي مساحة تتجاور فيها الأدبيات المختلفة، وتلتقي فيها المقالة بالشعر،
والفكر بالثقافة، والإبداع بالقضايا الإنسانية والاجتماعية. وهذا التنوع يجعلها
فضاء مفتوحا على أكثر من صوت وأكثر من تجربة، ويمنح القارئ فرصة للانتقال بين
عوالم مختلفة من المعرفة والإبداع.
كما جعلني العمل داخل هذا الفضاء أكثر وعيا بمسؤولية الكاتب والإعلامي
تجاه الكلمة؛ فالكلمة ليست مجرد حروف نرتبها، ولا مجرد نص نضعه أمام القارئ، وإنما
هي موقف ورسالة وأمانة. وكلما اتسعت مساحة النشر، ازدادت معها مسؤولية صاحب القلم
في أن يكون أكثر دقة ووعيا وحرصا على ما يقدمه، لأن ما نكتبه قد يتجاوز لحظة النشر
ليترك أثرا في قارئ، أو يفتح أمامه سؤالا جديدا، أو يدفعه إلى إعادة النظر في قضية
ما.
ولا يمكنني أن أتحدث عن هذه السنوات دون أن أتوقف عند رئيس التحرير،
الدكتور حسن امحيل، الذي كان حاضرا بالدعم والتشجيع، وحرص على أن تظل «أصداء
الفكر» فضاء يحتضن الأقلام، ويمنحها فرصة الظهور والتطور، ويؤمن بأن الإبداع يحتاج
إلى من يفتح له الباب ويمنحه المساحة التي يستحقها.
أما بالنسبة إليّ، فإن أربع سنوات مع هذه المنصة تمثل محطة مهمة في
مسيرتي الأدبية والإعلامية. سنوات تعلمت خلالها أن الكتابة بحث عن الحضور، وعن
المعنى، وعن الأثر الذي يمكن أن تتركه الكلمة في وجدان القارئ.
قد ينسى القارئ عنوان مقال، وربما لا يتذكر اسم صاحبه، لكنه قد يحتفظ
بفكرة غيّرت شيئا في داخله، أو عبارة جعلته يعيد التفكير في قضية ما، أو موقفا
دفعه إلى رؤية الأشياء من زاوية مختلفة. وهنا تكمن القوة الحقيقية للكلمة؛ في
أثرها الذي قد يستمر حتى بعد أن يغيب النص عن الذاكرة.
واليوم، وأنا أسترجع أربع سنوات من العمل مع «أصداء الفكر»، لا أكتب عنها
بصفتي كاتبة شاركت في منصتها، وإنما أكتب بشهادة من عاش التجربة من الداخل، واكتشف
خلالها أن الانتماء إلى فضاء ثقافي يتشكل مع الوقت، بما يتركه في تجربتنا من معرفة
وذكريات وعلاقات وأثر.
كانت أربع سنوات من الحضور والتجربة والتطور، وأتمنى أن تكون السنوات
القادمة امتدادا أجمل لهذه الرحلة، وأن تواصل «أصداء الفكر» رسالتها في دعم
الثقافة والإبداع، وأن تظل أبوابها مفتوحة أمام كل قلم يحمل فكرة، وكل مبدع يؤمن
برسالة الكلمة.
شكرا لـ«أصداء الفكر» على أربع سنوات من الثقة، والمساحة، والاحتواء.
وشكرا لكل من آمن بكلمتي، ومنحها فرصة لأن تصل.
ففي النهاية، قد نكتب بالكلمات… لكن الذي يبقى فعلا هو الأثر الذي
تتركه تلك الكلمات.
