حين يصبح الوعي وطنا
|
«الثقافة ليست
ترفًا نلجأ إليه حين يفرغ الوقت، إنها إحدى وسائل النجاة حين يضيق العالم.» |
هيفاء خاطر | لبنان
في زمنٍ تتسارع فيه الأيام كأنها خيولٌ أفلَتت
من عقالها، لم يعد الإنسان يملك ترفَ العيش على هامش الحياة، فالعالم من حوله يكتب
كلَّ لحظةٍ فصلاً جديدا ً، ومن لا يقرأ المشهد بوعيٍ قد يجد نفسه سطراً عابراً في
كتابٍ لم يختر عنوانه.
الثقافة ليست رفوفاً مزدحمة بالكتب، ولا كلماتٍ
تتأنق في أفواه المتحدثين، بل هي نافذةٌ نطلّ منها على اتساع الإنسان. إنها
البوصلة حين تتشابه الطرق، والمصباح حين يطول الليل، والجسر الذي نعبر عليه من ضفة
الجهل إلى شاطئ المعرفة.
ولعل أجمل ما تمنحه الثقافة للإنسان أنها تعلّمه
كيف يرى ما وراء الأشياء. فالكتاب لا يمنحنا حروفاً فحسب، إنه يضع بين أيدينا
مرآةً نرى فيها ذواتنا بوضوح، ونافذةً نطلّ منها على حيواتٍ لم نعشها، وأجنحةً
نحلق بها فوق حدود المكان والزمان. قد نفتح صفحةً بحثاً عن إجابة، فنغلق الكتاب
وقد تغيّر السؤال في داخلنا، وهذه إحدى أعظم هدايا المعرفة: أن تجعل عقولنا أكثر
اتساعاً من يقيننا.
إن الإنسان المثقف لا يُقاس بعدد الكتب التي
قرأها، بل بقدرته على أن يتحول ما قرأه إلى سلوكٍ ورؤيةٍ وموقف. فالمعرفة التي لا
تغيّر صاحبها تشبه المطر الذي يسقط على صخرةٍ ملساء، يلمع سطحها لحظةً، ثم يمضي
الماء دون أن ينبت فيها شيء.
والثقافة الحقيقية لا تُعلّمنا كيف ننتصر في كل
نقاش، بل كيف نصغي. لا تمنحنا لساناً أطول، وإنما تمنحنا عقلاً أعمق. تجعلنا ندرك
أن الاختلاف ليس معركةً ينبغي أن يخرج منها أحدنا مهزوماً، بل مساحةٌ يمكن أن
تتجاور فيها الرؤى، مثل أشجارٍ مختلفةٍ تستظل بسماءٍ واحدة.
وفي عالمٍ تضجّ فيه الشاشات بالأخبار والآراء
والصور، يصبح الوعي أشبه بمنارةٍ في بحرٍ مضطرب. ليس كل ما يلمع حقيقة، وليس كل ما
ينتشر جديراً بالتصديق. لذلك يحتاج الإنسان اليوم إلى عقلٍ لا يكتفي بأن يرى، بل
يسأل؛ ولا يكتفي بأن يسمع، بل يتحقق؛ ولا يكتفي بأن يكرر، بل يفكر.
|
«حين يصبح
الوعي وطنًا، لا تعود المعرفة مجرد كلماتٍ في كتاب، بل تصبح طريقةً في النظر،
وأسلوبًا في الحياة، ونورًا نمشي به في دروبٍ قد لا نعرف نهايتها.» |
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان ليس أن يجهل،
وإنما أن يظن أنه يعرف كل شيء. فالجهل الصريح بابٌ يمكن طرقه، أما الوهم بالمعرفة
فهو جدارٌ عالٍ يحجب صاحبه عن الضوء. ومن هنا تبدأ رحلة الوعي الحقيقية: حين يمتلك
المرء شجاعة أن يقول: «لا أعلم»، ثم يفتح أبواب البحث ليجد الإجابة.
ولأن الثقافة فعلٌ إنساني قبل أن تكون معرفة،
فإنها لا تكتمل إلا بالرحمة. فما قيمة عقلٍ يستطيع تحليل العالم، لكنه يعجز عن فهم
قلب إنسان؟ وما قيمة المعرفة إذا لم تجعلنا أكثر عدلاً، وأقل قسوة، وأشد احتراماً
لاختلاف الآخرين؟
نحن لا نعيش في جزرٍ منفصلة؛ كل كلمةٍ نقولها قد
تترك موجةً في قلب شخص، وكل فكرةٍ نزرعها قد تصبح شجرةً في عقل جيل. ولهذا فإن
مسؤولية المثقف ليست أن يحتكر الضوء، بل أن يوزّعه؛ وأن يحوّل المعرفة من تاجٍ فوق
رأسه إلى مصباحٍ في طريق الآخرين.
وفي النهاية، ربما لا نستطيع أن نوقف عجلة
الزمن، ولا أن نمنع العالم من التغير، لكننا نستطيع أن نختار كيف نعبر هذا التغير.
نستطيع أن نحمل معنا كتاباً، وسؤالاً، وفضولاً لا ينام، وقلباً يتسع للإنسان.
فالثقافة ليست ترفاً نلجأ إليه حين يفرغ الوقت،
إنها إحدى وسائل النجاة حين يضيق العالم. والوعي ليس جداراً نعزل به أنفسنا عن
الآخرين، بل جسرٌ يجعلنا أكثر قدرةً على فهمهم.
وحين يصبح الوعي وطناً، لا تعود المعرفة مجرد كلماتٍ في كتاب، بل تصبح طريقةً في النظر، وأسلوباً في الحياة، ونوراً نمشي به في دروبٍ قد لا نعرف نهايتها، لكننا نعرف أننا لن نضيع فيها ما دام في داخلنا ضوءٌ يدلّنا على الطريق..
