بهيجة البعطوط | تونس
جاءت الورقة. كانت بيضاء هادئة إلى الحد الذي يثير الريبة. ما أبسط الورق
حين يكون فارغًا، وما أكثر ما يستطيع أن يحمله حين تمتلئه الكلمات. كان المطلوب
توقيعًا على استلام أمي من المستشفى. كلمات تبدو في ظاهرها محايدة، تنتمي إلى عالم
الملفات والإجراءات، لكن اللغة ليست دائمًا بريئة؛ فهناك كلمات إدارية تخبئ خلف
حيادها مأساة كاملة... استلام... خروج... مغادرة... مسؤولية. كلمات تبدو كأنها
صيغت لتنظم حركة الأوراق، بينما كان قلبي يعيش في عالم آخر، عالم الوداع.
أمسكت القلم، فارتجفت يدي.
ومنذ ذلك اليوم وأنا أعود إلى تلك الرعشة كأنها سؤال لم يجد بعد لغته
النهائية. لماذا ارتجفت؟ أكانت خوفًا؟ أم حدسًا؟ أم احتجاجًا جسديًا على قرار لم
يكن قراري؟ ربما كانت اليد أكثر حكمة من العقل؛ فالعقل حين يصطدم بالموت يستطيع أن
يناور وأن ينشئ لنفسه مسافة من الحقيقة، أما الجسد فلا يجيد الكذب. تظهر الحقيقة
في النبض... في انقباض الأصابع... في ارتعاش اليد... في ذلك الصمت الدقيق الذي
يسبق البكاء.
كانت يدي تقول ما لم أستطع قوله.
لا أريد أن أوقّع. لكن على ماذا كنت سأوقّع؟ هل كنت أرفض استلام أمي؟ هل
كنت أريد أن أبقيها في المستشفى إلى الأبد؟ هل كنت أملك أن أوقف الموت بتأجيل
ورقة؟ لا. كنت أريد فقط أن أؤجل الحقيقة، وهذه هي المأساة: أن الإنسان في بعض
اللحظات لا يطلب معجزة كاملة، يطلب فقط تأجيلًا صغيرًا، يومًا إضافيًا، ساعة
إضافية، نظرة إضافية، كلمة إضافية، حضنًا لم يُقَل له إنه الحضن الأخير.
كتبت اسمي. حركة صغيرة لقلم فوق ورقة، لكنني شعرت أنني أكتب عمرًا
كاملًا. كانت حركة القلم قصيرة، أما أثرها فكان طويلًا، أطول من أن يحتمله حبر.
رفعت القلم ونظرت إلى الإمضاء، فلم أفكر في أنني وقّعت على استلام مريضة... فكرت
في شيء آخر أشد غموضًا وأكثر وجعًا: هل يمكن أن تكون بعض التواقيع أبوابًا؟
أبوابًا نفتحها بأيدينا، ثم نكتشف أننا لم نعد نملك مفتاح الرجوع؟ أم أن الإمضاء
أحيانًا لا يفتح بابًا، بل يغلق بابًا كنا نظن أنه سيبقى مفتوحًا إلى الأبد؟
منذ أن خرجت أمي من المستشفى، دخلت حياتنا مرحلة لم تعد تشبه ما قبلها.
وهناك أشياء لا تبدأ حين تقع، بل تبدأ قبل ذلك بكثير. تتكون في منطقة خفية من
الروح حيث تعجز اللغة عن بلوغها، ولا تستطيع الذاكرة أن ترسم حدودها، ثم تظهر فجأة
في لحظة واحدة، كأنها كانت تنتظر ذلك الموعد منذ سنوات. لذلك لا أستطيع حتى اليوم
أن أقول إن قصتي بدأت يوم وقّعت، فربما بدأت قبل ذلك بزمن بعيد، يوم كنت طفلة أضع
رأسي في حجر أمي وأظن أن العالم، ما دامت هي موجودة، لا يستطيع أن يؤذيني.
لم أكن أعرف آنذاك أن الإنسان يبدأ حياته متكئًا على يقين واحد، يقين
يسبق العقيدة ويسبق الفلسفة: الأم لا ترحل. ذلك اليقين الطفولي لا يشبه العقيدة،
إنه أعمق منها، شيء يشبه الفطرة. فالأم هي أول صورة للأمان، وأول تعريف للمكان،
وأول كائن نتعلم معه أن الوجود يمكن أن يكون رحيمًا. قبل أن نعرف الوطن، تكون الأم
وطننا، وقبل أن نعرف معنى الحماية، تكون يدها جدارنا الأول، وقبل أن نعرف معنى
الدعاء، تكون نبرتها دعاءً يطمئننا. لهذا حين تمرض الأم، لا يمرض شخص واحد، بل
يهتز في داخل أبنائها النظام الأول للكون.
في ذلك اليوم، في المستشفى، وكانت أمي في أيامها الأخيرة، لا أريد أن
أقول إنني كنت أعرف. كنت أرجو. والرجاء في مواجهة الموت ليس جهلًا بالحقيقة، بل
مقاومة روحية لها. فالإنسان لا يرفض الموت لأنه يجهل حتميته، بل يرفضه لأنه يحب.
فالحب وحده يجعلنا نطلب من القدر أن يستثني من نحب. نحن نعرف أن الشمس تغيب، لكننا
حين تكون أمهاتنا تحت ضوئها نتمنى لو يتأخر الغروب قليلًا، كأن الحب يملك للحظة
واحدة أن يساوم الزمن.
عدنا إلى البيت. كنت أحاول أن أتصرف كأن العودة تعني الحياة، وأبحث عن
عاداتها الصغيرة، عن تلك التفاصيل التي يمكن أن تقنع القلب بأن الأمور ما زالت في
مكانها... عن كوبها، عن مكانها، عن صوتها، عن طريقتها في الحركة، عن تلك الأشياء
التي لا ننتبه لوجودها حين تكون موجودة، ثم نكتشف أنها كانت تحمل معنى الحياة
كلها. كنت أريد أن أقنع نفسي بأن البيت قادر على إعادة ما أخذه المستشفى، لكن
البيت لم يكن معجزة، كان بيتًا فقط، وكانت أمي تحمل معها إلى داخله شيئًا لا أراه،
شيئًا يشبه العد التنازلي.
سبعة أيام... فقط سبعة أيام.
لم أكن أعرف أن الزمن يمكن أن يصير بهذه السرعة. سبعة أيام بين توقيع
وغياب، سبعة أيام بين استلام وفقد، سبعة أيام بين يد ترتجف ويد لا تتحرك.
ثم رحلت.
ولا أعرف كيف يمكن للكلمات أن تشرح لحظة كهذه. هناك لحظات لا تحتاج إلى
البلاغة؛ لأن البلاغة نفسها تعجز أمامها، ويصبح الصمت أكثر فصاحة من الكلام، وتصبح
الدموع أكثر دقة من كل الاستعارات. في ذلك اليوم لم أشعر أن أمي ماتت فقط، شعرت أن
جزءًا من البنية الداخلية للعالم قد انهار. كأنني كنت أعيش في بيت له أعمدة غير
مرئية، وحين رحلت سقط عمود منها، وظل البيت واقفًا، لكنني لم أعد أشعر بالأمان
نفسه.
بعد موتها، بدأت أعود إلى الورقة. ليست الورقة الحقيقية، بل الورقة التي
احتفظت بها في ذاكرتي. كنت أعيد المشهد مرة بعد أخرى: المستشفى... الممر...
الورقة... القلم، يدي... الاسم... ثم أمي، ثم الموت. وكنت أضع بين هذه العناصر
علاقة لا يستطيع العقل تفسيرها. كنت أقول: أنا وقّعت، وبعد أسبوع ماتت. ثم أعود
فأقول: لكنني لم أقتلها. فيأتي صوت خفي من أعماقي: لم أقل إنك قتلتها، كنت أقول إن
قلبك يربط بين الحدثين.
وهنا أدركت شيئًا عن الحزن.
الحزن لا يبحث عن الحقيقة فقط، إنه يبحث عن مسؤول يحمل معه ثقل الغياب.
وحين لا يجد مسؤولًا قد يضع الذنب على كتفي من بقي. كم هو غريب هذا الإنسان حين
يموت من يحب، قد يعاقب نفسه لأنه نجا، وقد يشعر أن عليه أن يدفع ثمن بقائه. يقول
في داخله: لماذا بقيت أنا؟ لماذا لم أفعل أكثر؟ لماذا لم أنتبه؟ لماذا لم أقل؟
لماذا لم أصر؟ لماذا وقّعت؟ وهكذا يتحول الحب بعد الموت إلى محكمة، ويصبح الإنسان
فيها القاضي والمتهم والشاهد والجلاد، ولا وجود لمحامٍ.
كنت أحتاج إلى التصوف، لا لأهرب من الحقيقة، بل لأحتملها. لم يكن التصوف
بالنسبة لي بابًا للهروب من العالم، بل محاولة لفهم ما يعجز العالم المادي عن
تفسيره. بدأت أفكر في الفناء، لا بمعنى العدم، بل بمعنى فناء الصورة وبقاء الأثر.
الجسد يذهب، لكن المعنى لا يذهب بالطريقة نفسها. الأم التي كانت يدًا تصبح ذكرى،
والصوت يصبح إيقاعًا في الروح، والوجه يصبح نورًا داخليًا لا يحتاج إلى مرآة،
والحضن الذي انتهى في الواقع يستمر في الذاكرة، كأنه لم يتعلم قوانين الموت.
ربما لهذا لا نستطيع دفن من نحب تمامًا. نحن ندفن الجسد، أما الحضور
فيبقى يبحث عن مقام جديد. ومع ذلك لم أستطع أن أقول لنفسي بسهولة: إنها انتقلت.
فالابنة ليست فيلسوفة أمام أمها؛ الابنة طفلة مهما كبرت. وفي داخلي كانت طفلة
تصرخ: أريد أمي. لا أريد تفسيرًا للموت، لا أريد فلسفة عن الفناء. لا أريد حديثًا
عن الروح. أريدها هي، بصوتها، بيدها... بوجودها، بذلك الأمان الذي كان يجعل العالم
أقل وحشة.
هنا فهمت حدود الفلسفة. تستطيع أن تفسر الموت، لكنها لا تستطيع أن تعيد
الأم. ويستطيع التصوف أن يفتح نافذة على معنى البقاء، لكنه لا يستطيع أن يجعل
الكرسي يتحرك. ويستطيع الشعر أن يصنع من الغياب لغة، لكنه لا يستطيع أن يملأ مكان
الجسد. ومع ذلك كتبت... لأن الكتابة كانت الشيء الوحيد الذي استطعت أن أفعله دون
أن أشعر أنني أخون الحقيقة.
كتبت عن الإمضاء لأنني لم أستطع أن أكتب عن الموت مباشرة. كان الإمضاء
أكثر احتمالًا، أكثر صمتًا، وأكثر قدرة على حمل ما حدث. كان الإمضاء نقطة صغيرة في
أسفل ورقة، لكنه في داخلي صار مقامًا من مقامات الفقد. كلما دخلته وجدت نفسي أمام
السؤال ذاته: من الذي وقّع حقًا؟ أنا؟ أم الزمن؟ أم القدر؟ أم الموت؟ أم تلك اليد
المرتجفة التي كانت تحاول أن تقول لا، بينما كان عليها أن تكتب نعم؟
ربما لا يملك الإنسان من حريته إلا المسافة بين ما يحدث وما يشعر به تجاه
ما يحدث. لا يستطيع أن يمنع كل شيء، لكنه يستطيع أن يمنح الحدث معنى. وهذا ما
حاولت أن أفعله: أن أحوّل الإمضاء من علامة على العجز إلى شهادة على الحب. فلو لم
تكن أمي تعني لي كل هذا، لما ارتجفت يدي، ولو كان الأمر مجرد إجراء، لما بقي في
داخلي كل هذا الوجع. بعض الآلام لا تثبت أننا ضعفاء، بل تثبت أننا أحببنا بما يكفي
ليصبح الفقد ثقيلًا.
الآن، حين أتذكر أمي، لا أريد أن أتذكر موتها فقط. أريد أن أتذكر ما كان
قبل الموت: الضحكة والصوت، والتعب والأيام العادية، وتلك الأشياء التي لم أكن أعرف
أنها ستصبح لاحقًا كنوزًا لا تستعاد. تلك هي قسوة الفقد: أن الأشياء العادية لا
نعرف قيمتها إلا بعد أن تصبح مستحيلة. كوب الماء الذي كانت تمسكه... مكانها على
الأريكة، طريقة نطقها لاسمي... دعاءها، نظرتها... حتى صمتها. كلها أشياء كانت
موجودة ببساطة، دون أن أعرف أنها كانت تخبئ لي ثروة من الذاكرة.
ثم جاء الموت، فأصبحت التفاصيل الصغيرة أكبر من العالم. وأنا لا أريد أن
أحمل نفسي ما لا أستطيع حمله، لكنني لا أستطيع أيضًا أن أنكر أن الإمضاء ترك ندبة
في داخلي. ربما هذه الندبة ليست جرحًا يحتاج إلى الشفاء، بل أثرًا يحتاج إلى
الفهم. فهناك فرق بين أن تشفى من الفقد وأن تتعلم كيف تسكنه. أنا لم أشفَ من أمي،
ولا أريد، فكيف أشفى من إنسانة صنعت جزءًا مني؟ أنا فقط تعلمت كيف أحمل غيابها دون
أن أسقط كل مرة.
وأحيانًا حين أكون وحدي، أضع القلم أمامي وأنظر إليه طويلًا، ثم أتذكر
ذلك اليوم، أتذكر الورقة، وأتذكر اليد، وأتذكر أن أصعب ما في الموت ليس لحظة
حدوثه، بل أن الحياة تستمر بعده. أن الشمس تشرق في اليوم التالي، وأن الناس يذهبون
إلى أعمالهم، وأن الهاتف يرن، وأن الطعام يُطهى، وأن الشوارع تمتلئ، وأن العالم
بكل قسوته واعتياديته لا يتوقف احترامًا لقلب انكسر. وهذا هو أكثر ما يدهشني: كيف
يمكن للعالم أن يستمر بينما عالمك أنت قد انتهى؟ ثم أفهم. لأن الموت شخصي. الغياب
لا ينهار له الكون، ينهار له كون واحد فقط، كون من أحب.
ربما لهذا أصبحت أرى الإمضاء بطريقة أخرى. التوقيع ليس دائمًا إثباتًا
للقبول، أحيانًا يكون اعترافًا بالعجز، وأحيانًا يكون شهادة على أننا وقفنا أمام
باب مغلق ولم نملك مفتاحه، وأحيانًا يكون أشبه بسجدة أخيرة أمام ما لا نستطيع
تغييره.
أنا وقّعت نعم.
لكنني لم أوقّع على موت أمي.
وقّعت على ورقة طلبت مني أن أقر بما كان يحدث، أما الذي حدث فعلًا فلم
يكن في يدي. كانت هناك قوة أكبر من الورقة، وأكبر من القلم، وأكبر من ارتعاش
أصابعي. قوة اسمها الزمن، وقوة أخرى لا نعرف كيف نسميها إلا حين نقف أمام
حدودنا... إنه القدر.
واليوم، لو عادت إليّ تلك اللحظة، لن ألوم يدي. سأضعها في يدي الأخرى،
وسأتركها ترتجف. لن أطلب منها أن تكون قوية؛ فالقوة ليست دائمًا أن تتوقف عن
الارتجاف. أحيانًا تكون القوة أن ترتجف وتكمل... أن تبكي وتكمل، أن تعرف أنك عاجز
ولا تتحول إلى قسوة، أن تفقد من تحب ولا تفقد قدرتك على الحب.
وأمي... لم تعد في ذاكرتي المرأة التي خرجت من المستشفى. تلك ليست إلا
الصفحة الأخيرة من جسدها. أما هي فأوسع من موتها. هي التي سبقت الموت، وهي التي
صنعت فيّ اللغة الأولى للأمان، وهي التي جعلتني أعرف أن للإنسان جذورًا حتى حين لا
يرى الأرض التي تنبت فيها. وهي التي جعلتني أفهم بعد رحيلها أن بعض البشر لا
يغادروننا، إنهم فقط ينسحبون من حواسنا ويستقرون في طبقات أعمق من الروح.
ولهذا أحيانًا، وأنا أكتب، أشعر أنها قريبة. لا أراها، لكنني أشعر بها،
كأن يدًا غير مرئية تستقر على كتفي، وكأن صوتًا قديمًا يعبر من جهة لا أعرفها
ويقول لي: «لا تخافي». فأرفع رأسي، وأبتسم، ثم أكتب.
أما الورقة فلم تعد تعنيني كما كانت. والقلم لم يعد يخيفني، والإمضاء لم
يعد بالنسبة إليّ علامة نهاية. صار شاهدًا على ابنة وقفت عند الحدود القصوى
لقدرتها وفعلت ما استطاعت، وشاهدًا على أم عبرت من الجسد إلى الذاكرة، وشاهدًا على
أن الإنسان قد يخسر مواجهته مع الموت، لكنه يستطيع أن يرفض أن يخسر من أحب في
النسيان.
وأنا لن أنسى.
لأن النسيان بالنسبة لي سيكون الإمضاء الوحيد الذي لن أوقّعه.
وفي آخر الليل، حين يهدأ كل شيء، لا أعود إلى الورقة إلا لأجدها أبعد من
الورق. أرى القلم، ثم اليد، ثم الفراغ الذي اتسع بينهما. أرى أمي لا في الصفحة
الأخيرة من جسدها، بل في ما تركته الصفحة مفتوحًا في داخلي. لم يكن الإمضاء
استلامًا ولا إعلانًا ولا خاتمة... كان أثرًا صغيرًا عبرت من خلاله من حضور أستطيع
لمسه إلى غياب لا أستطيع لمسه، ومن يد كان يمكن أن أمسكها إلى ذكرى يد لا تزال
تمسكني، ومن صوت كان يملأ البيت إلى صمت أصبح يملأ الروح.
ومنذ ذلك اليوم، كلما كتبت اسمي، تركت بعده مساحة لا يملؤها الحبر...
مساحة للغياب، وللصوت الذي لا ينقطع، ولذلك الحضور الذي تعلم أن يسكن مكانًا لا
تبلغه الأيدي.
فبعض الصفحات لا تُطوى.
وبعض الأمهات لا يُكتب تحت أسمائهن: «انتهى». يُترك البياض شاهدًا.
ويبقى في آخر الصفحة شيء أبعد من الكلمة، وأبقى من الحبر، وأعصى على
الموت من أن يُمحى.
كلما ارتجفت يدي، عرفت أنها لم تكن تخاف يومها.
كانت تعرف أنها ستكتب اسمًا، وسيبقى بعده اسم آخر محفورًا في الروح...
اسم أمي.
وهناك في ذلك الموضع الذي لا تصل إليه الأوراق، ولا يستطيع القلم أن
يختمه، تبقى أمي لا كجسد غادر، بل كأثر بقي.
ولهذا إذا سألني أحد يومًا:
ما الذي وقّعتِ عليه في ذلك اليوم؟
لن أقول: وقّعتُ على استلام أمي.
ولن أقول: وقّعتُ على خروجها.
ولن أقول: وقّعتُ على بدء الغياب.
سأقول فقط:
وقّعتُ على ورقة بيضاء، وكانت يدي ترتجف لأنها لأول مرة عرفت أن بعض
الأسماء لا يكتبها القلم.
إنما تكتبها الروح.
وبعض الأمهات حين يرحلن لا يغبن، إنهن يغدون الجزء الذي لا يستطيع الغياب
أن يأخذه منا.
وهكذا بقيت.
بقيت في اليد التي ما زالت ترتجف أحيانًا.
بقيت في القلب الذي لم يعد يعرف أين ينتهي حضورها.
بقيت في الكلمة التي أكتبها.
بقيت في الصمت الذي أسمعها فيه.
وبقيت في ذلك البياض الذي لم يملأه الحبر أبدًا.
لأن بعض الأشياء لا تُكتب لتنتهي.
تُكتب لتبقى.
وأمي...
كانت، وما زالت، أجمل ما بقي.

