|
باحثة في الجماليات، وكاتبة،
وفنانة تشكيلية، ونائبة رئيسة فرع الرباط لشبكة القراءة بالمغرب سابقا. أؤمن أن
الكتابة والفن ليسا ضربا من الكماليات، بل هما امتداد لرؤية فلسفية تحاول إعادة
الوصل بين الإنسان وعالمه المحسوس. |
حاورها: حسن امحيل | المغرب
1. لكل كاتب حكاية تسبق الكتابة. كيف تقدمين سهيلة أيت لحسن
للقراء الذين يلتقون بك للمرة الأولى عبر صفحات "أصداء الفكر"؟
سهيلة أيت لحسن؛ باحثة في الجماليات، وكاتبة، وفنانة تشكيلية، ونائبة رئيسة
فرع الرباط لشبكة القراءة بالمغرب سابقًا. أؤمن أن الكتابة والفن ليسا ضربا من الكماليات،
بل هما امتداد لرؤية فلسفية تحاول إعادة الوصل بين الإنسان وعالمه المحسوس. ولدتُ من
تقاطع عوالم متعددة: بين ريشة التشكيلي الذي يلتقط التفاصيل، وعمق الباحث الذي يسائل
المفاهيم، وشغف التربوي الذي يسعى لغرس الوعي في النفوس الناشئة. بالنسبة إليّ، الكتابة
محاولة مستمرة لجعل الفكر مرئيًا، والجمال ممارسة يومية قادرة على تهذيب الوجدان وبناء
الإنسان.
2. يحمل كتابك عنوانًا غير مألوف: «جمالية الماء». كيف ولدت
فكرة النظر إلى الماء بوصفه موضوعًا جماليًا قبل أن يكون موردًا طبيعيًا؟
فكرة النظر إلى الماء بوصفه موضوعًا جماليًا نشأت من الرغبة في التحرر من
النظرة النفعية البحتة التي تحصر هذا العنصر الحيوي في استهلاكيته المادية. فالماء
في جوهره ليس مجرد مادة صامتة نستهلكها، بل هو فضاء بصري وحسي ملهم؛ فتجلياته في الطبيعة،
من تموجات الأمواج، وانعكاسات الضوء على الأنهار، إلى صوت الخرير، تخاطب الروح والوجدان
قبل أن تروي العطش. لقد أردت من خلال هذا العنوان أن أستعيد البعد الفينومينولوجي والشعري
للماء، لنراه بعين الفنان والفيلسوف، لا بعين المستهلك فحسب؛ فمن لا يرى جمال الشيء
يصعب عليه حقًا تقدير قيمته والحفاظ عليه.
3. اخترتِ أن تربطي بين الجماليات والمجسمات البيداغوجية والتربية.
كيف يمكن للفن أن يصبح وسيلة لبناء الوعي البيئي لدى الناشئة؟
التربية البيئية التقليدية غالبًا ما تخاطب العقل بلغة الأرقام والتحذيرات،
وهي لغة جافة قد لا تترك أثرًا عميقًا في وجدان الطفل. من هنا جاءت أهمية دمج الفن
والمجسمات البيداغوجية؛ فالطفل لا يتعلم فقط بما يسمع، بل بما يلمس ويختبر ويتخيل.
والمجسمات البيداغوجية الجمالية تحول المفاهيم البيئية المجردة إلى تجارب حسية ملموسة.
فعندما يرى الناشئ جمال الطبيعة مجسدًا أمامه في قالب فني، وينخرط في تفاعل بصري وجمالي
معها، يتربى لديه وعي وجداني تلقائي يجعل حماية البيئة التزامًا أخلاقيًا وذوقيًا،
وليس مجرد رد فعل خوفًا من الندرة أو الأزمة.
4. في رأيك، لماذا ما زالت ثقافة الماء في مجتمعاتنا تُعالَج
غالبًا بمنطق التوعية المباشرة، بينما يغيب البعد الجمالي والثقافي؟
يعود ذلك، في نظري، إلى سيطرة المقاربة التقنية والكمية الطارئة على أزمة
الموارد، حيث تتعامل المؤسسات مع الماء بمنطق الطوارئ وتدبير النقص، وهو أمر مفهوم
في ظروف الإجهاد المائي، لكنه قاصر على المدى الطويل. كما أن هناك إرثًا ثقافيًا ينظر
إلى الفن والجمال على أنهما كماليات يمكن الاستغناء عنها في قضايا "جدية"
كالاقتصاد والبيئة. هذا الفصل التعسفي بين الثقافي والتقني هو ما جعل خطاباتنا البيئية
جافة ومنفرة أحيانًا. نحن بحاجة ماسة إلى جسر هذه الهوة، وإدراك أن أي وعي بيئي حقيقي
لا يرتكز على جذور ثقافية وجمالية راسخة يظل وعيًا هشًا وقابلًا للتراجع.
5. ما الإضافة التي أردتِ أن يقدمها كتابك للمكتبة المغربية
والعربية في موضوع الماء والتربية؟
سعيت من خلال كتاب «جمالية الماء» إلى إرساء لبنة جديدة ومختلفة في الخزانة
المغربية والعربية، لكونه يقتحم تقاطعًا نادرًا يجمع بين فلسفة الجمال، والتربية البيداغوجية،
والوعي البيئي. لم أرد له أن يكون مجرد كتاب نظري أكاديمي بحت، ولا كتيبًا إرشاديًا
عابرًا، بل دعوة لتأسيس بيداغوجيا جمالية جديدة ترتبط بقضايانا الملحة. وما يزيدني
اعتزازًا أن هذا العمل لم يعد حبيس المكتبات المغربية والعربية فحسب، بل تجاوز الحدود
الجغرافية ليحط الرحال ويصبح متاحًا حاليًا في مكتبة الكونغرس الأمريكية، وهو ما أعتبره
اعترافًا رمزيًا بأهمية وعالمية القضية المطروحة.
6. هل كان هذا الكتاب ثمرة تجربة ميدانية أم تأمل فكري طويل؟
وما المحطات التي شكّلت ملامح هذا المشروع؟
الكتاب في الأصل هو ثمرة بحث ماستر في الجماليات وتربية الفنون، حيث تزاوج
فيه التأمل الفكري والفلسفي بالعمل الميداني والبيداغوجي. لقد انطلق المشروع من تساؤلات
إبستمولوجية وجمالية حول كيفية تلقي المتلقي للوجيز البصري والبيئي، ومر بمحطات عديدة
شملت الغوص في الأدبيات الجمالية والفلسفية، مرورًا بتصميم وتجريب المجسمات البيداغوجية،
وصولًا إلى التحليل والتأطير النظري الذي يربط الفن بالوعي البيئي. هكذا تضافرت قاعات
الدرس، والتأملات الفنية، والبحث الأكاديمي الرصين، لتصنع الهيكل العام لهذا الإصدار.
7. شاركتِ بإصدارك في المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط.
ماذا مثّلت لك هذه التجربة؟ وكيف استقبل القراء أفكار الكتاب؟
المشاركة في المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط كانت محطة بالغة الأهمية
وغنية بالمشاعر. لقد مثلت لي مساحة حقيقية للتواصل المباشر مع القراء، والباحثين، والمهتمين
بالشأن الثقافي والبيئي. أما عن استقبال القراء، فقد كان دافئًا ومحفزًا للغاية؛ إذ
أدهشني تفاعلهم مع طرح «جمالية الماء»، حيث لمست لديهم تعطشًا لنقاش قضايا البيئة بلغة
أدبية وفكرية جديدة تخرج عن المألوف، وهو ما تجلى في النقاشات العميقة التي دارت حول
أفكار الكتاب خلال اللقاءات.
8. مررتِ بتجربة إلغاء أحد حفلات توقيع الكتاب قبل أن يُنظَّم
لاحقًا في جناح دار النشر. كيف عشتِ تلك اللحظة؟ وهل غيّرت شيئًا في نظرتك إلى الوسط
الثقافي؟
حملت تلك اللحظة في بدايتها نوعًا من خيبة الأمل والارتباك الإداري، غير أنني
أؤمن أن الكاتب الحقيقي يختبر صلابته في مواجهة مثل هذه العراقيل الظرفية. وحين أُعيد
تنظيم حفل التوقيع في جناح دار النشر، تحولت تلك اللحظة إلى انتصار مصغر، وإلى فرصة
حميمية للتواصل مع القراء الأوفياء بعيدًا عن البروتوكولات الرسمية. أما نظرتي إلى
الوسط الثقافي، فلم تتغير، بل أكدت لي أن الثقافة الحقيقية تصنعها الإرادات الفردية
والالتزام الذاتي، وأن الصعوبات ليست سوى هوامش لا توقف مسار العمل الجاد.
9. كيف تنظر سهيلة أيت لحسن إلى العلاقة بين الكاتب والالتزام
بقضايا المجتمع؟ وهل ينبغي للأدب والفكر أن يحملا رسالة واضحة؟
أؤمن بعمق أن الكاتب ليس كائنًا يعيش في برج عاجي بمعزل عن هموم مجتمعه ومحيطه.
والالتزام بالنسبة إليّ ليس شعارًا أيديولوجيًا، بل هو استجابة أخلاقية وجمالية للأسئلة
الحارقة التي تطرحها اللحظة التاريخية. نعم، ينبغي للأدب والفكر أن يحملا رسالة، لكن
شريطة ألا تتحول هذه الرسالة إلى "تقرير إخباري" أو خطابة مباشرة تقتل سحر
الفن. فالجمال والفكر الحقيقيان يملكان قدرة فريدة على إيقاظ الوعي، وتعرية الخلل،
وبناء أفق بديل، دون أن يتخليا عن قيمتهما الجمالية والفنية الخالصة.
10. لو طلبنا منك تلخيص رسالتك إلى القارئ في جملة واحدة بعد
الانتهاء من قراءة «جمالية الماء»، فماذا ستكون؟
رسالتي هي: "لنعد اكتشاف جمال الطبيعة بعين الفنان، فحين نتذوق جمال
الماء ندرك بالفطرة ضرورة صونه وحمايته بوصفه أثمن ما نملك."
11. بعد هذا الإصدار الأول، ما المشاريع الفكرية أو الإبداعية
التي تعملين عليها؟ وهل سنقرأ لسهيلة أيت لحسن قريبًا في مجالات أخرى غير الجماليات
والتربية؟


