أحمد الشهبي | المغرب
الرواية المغربية ليست، كما يحلو للبعض أن يردد،
في أزمة كتابة. المشكلة أعمق من ذلك وأكثر التباسًا؛ إنها أزمة قراءة، أزمة تأويل،
أزمة تموقع داخل خريطة أدبية عالمية صارت تُقاس بمعايير غريبة عن جوهر الكتابة
نفسها. فكلما ظهر عمل روائي مغربي جديد، بادر النقاد إلى السؤال ذاته الذي أصبح
أشبه بطقس ثابت: هل وصلت هذه الرواية إلى العالمية؟ وكأن قيمة النص لم تعد فيما
يقوله، بل في عدد اللغات التي تُرجم إليها، وفي الجوائز المعلقة على واجهته، وفي
المدن الأوروبية التي استضافت كاتبه ضمن مهرجان أدبي هنا أو ملتقى ثقافي هناك.
هكذا، ودون أن ننتبه، تحوّلت "العالمية" من أفق إبداعي طبيعي إلى هاجس
نفسي يطارد الكاتب، من نتيجة حتمية لنص جيد إلى غاية يسعى إليها قبل أن يكتب جملته
الأولى حتى.
وهنا بالضبط تكمن المفارقة الكبرى. الرواية التي
تُكتب أصلًا بنية الوصول إلى العالم، غالبًا ما تخسر نفسها في الطريق. أما تلك
التي تُكتب بصدق، عن إنسان بسيط في مكانه الصغير، فهي التي تجد – في غالب الأحيان
– طريقها إلى الإنسانية جمعاء. المحلية والعالمية ليستا خصمين، بل الثانية ابنة
شرعية للأولى. فكل أدب عظيم عرفته البشرية خرج من قرية، من حي، من هامش منسي، لكنه
حمل بداخله أسئلة الإنسان الكبرى التي لا تعرف حدودًا. دوستويفسكي لم يكن يكتب
للعالم وهو يصف روسيا الممزقة بتناقضاتها، وماركيز لم يكن يفكر في قارئ ياباني أو
سويدي وهو يبني ماكوندو من الطين والخيال، ونجيب محفوظ بالتأكيد لم يتخيل أن أزقة
القاهرة القديمة ستصبح يومًا جزءًا من الذاكرة الأدبية للبشرية كلها. هؤلاء جميعًا
كتبوا أماكنهم بإخلاص شديد، فإذا بأماكنهم تتحول إلى أماكن للعالم كله.
الرواية المغربية تملك هذا الامتياز بالضبط،
لكنها – وهذا ما يؤلم فعلًا – تخجل منه أحيانًا. تخجل من لهجتها، من قراها
الصغيرة، من تفاصيلها اليومية العادية، وكأن المحلية عيب ينبغي التستر عليه أو
التخلص منه في أقرب فرصة. فتجد بعض الأعمال الروائية تتعمد بناء فضاء لا ينتمي إلى
أي جغرافيا محددة، وشخصيات بلا جذور واضحة، ولغة مصقولة إلى درجة تفقد فيها
حرارتها ونبضها، لمجرد اعتقاد صاحبها أن القارئ الأجنبي لا يرتاح للخصوصية
الثقافية. لكن الحقيقة، التي يتجاهلها كثيرون، أن القارئ في أي بقعة من العالم
يبحث بالأساس عمّا يختلف عنه، لا عمّا يشبهه ويكرر ما يعرفه أصلًا. إنه يريد أن
يرى المغرب كما يراه أهله بالضبط، لا كما يتخيله الآخرون من بعيد عبر صور نمطية
جاهزة.
لقد وقعت الرواية العربية بشكل عام، والمغربية
أحيانًا، في فخ كبير حين ظنت أن الطريق إلى العالمية يمر عبر التخلي عن الهوية.
والحال أن الأدب يعلّمنا تمامًا العكس. الهوية ليست قيدًا يُثقل الكتابة، بل نافذة
تُطل منها على العالم. فكلما كانت الرواية أكثر صدقًا مع بيئتها ومحيطها، أصبحت
أكثر قدرة على السفر بعيدًا. العالم لا ينقصه نسخة أخرى من باريس أو نيويورك، بل
ينقصه أن يعرف تازة كما هي، وأزيلال، والريف، والصحراء، والمدينة العتيقة في فاس
بأزقتها الملتوية، والدار البيضاء بضجيجها وتناقضاتها، والقرى المنسية التي لا
تصلها كاميرات نشرات الأخبار أبدًا، رغم أنها تعج بحكايات تستحق أن تُروى.
|
«العالمية ليست في التخلي عن الهوية، بل في
أن تكتب الرواية المغربية ذاتها بصدق، فتجد خصوصيتها طريقها إلى الإنسانية.» |
والمشكلة ليست في اختيار المكان وحده، بل في
طريقة النظر إليه والتعامل معه. فكثير من الروايات تكتفي باستعراض الفلكلور المحلي
على سطح النص، فتتحول شيئًا فشيئًا إلى بطاقة بريدية سياحية أكثر منها عملًا
أدبيًا حقيقيًا. المحلية الحقة ليست في وصف اللباس التقليدي، ولا في تعداد أسماء
الأكلات الشعبية، ولا في تزيين النص بأمثلة من الدارجة هنا وهناك. المحلية
الحقيقية هي أن يكون الإنسان في النص ابنًا حقيقيًا لهذا المكان، يحمل طريقته
الخاصة والفريدة في الحب والخوف والغضب والحلم وحتى في الهزيمة. إنها رؤية كاملة
للعالم، قبل أن تكون مجرد ديكور خارجي يُضاف إلى النص.
ثم إن الرواية المغربية تمتلك مادة خامًا نادرًا
ما تتوفر لغيرها بهذا الغنى. فهي تقف عند ملتقى حضارات متعددة ومتشابكة: عربية،
وأمازيغية، وإفريقية، وأندلسية، ومتوسطية. تحمل في طياتها ذاكرة استعمارية ثقيلة،
وتحولات اجتماعية متسارعة لا تهدأ، وصراعًا دائمًا بين التقليد والحداثة، بين
القرية والمدينة، بين البقاء والهجرة نحو المجهول. إنها أرض خصبة حقًا للأسئلة
الكبرى، لكن بعض الكتّاب – للأسف – يهربون من هذه الثروة الهائلة نحو موضوعات
مستوردة جاهزة، ظنًا منهم أن القضايا "العالمية" أكثر جدية وأهمية من
التفاصيل المحلية الصغيرة. مع أن الإنسان، في كل مكان، يبكي تقريبًا للأسباب
نفسها، ويحب بالطريقة نفسها تقريبًا، ويخاف من الزمن والموت والفقدان، مهما اختلفت
اللغة التي يُعبَّر بها عن هذا الخوف.
ومن الظواهر اللافتة أيضًا أن بعض الروايات باتت
تُكتب بعين المترجم قبل عين القارئ الأصلي. يتجنب الكاتب الكلمات المحلية خشية أن
تربك عملية الترجمة، ويخفف من الإشارات الثقافية العميقة لأنها تحتاج هوامش
تفسيرية، ويعيد صياغة جمله بما يناسب اللغات الأجنبية أكثر مما يناسب طبيعة العربية
نفسها. وهنا تتحول الكتابة، دون وعي كامل من صاحبها، إلى نوع من الرقابة الذاتية
المبطنة، ويصبح النص مشروعًا للتصدير أكثر منه مشروعًا حقيقيًا للإبداع. والمفارقة
الكبرى أن الأعمال التي حققت انتشارًا عالميًا فعليًا لم تكن الأكثر مراعاة لراحة
المترجم، بل كانت الأكثر وفاءً لعالمها الداخلي الخاص، مهما بدا هذا العالم معقدًا
أو غريبًا على القارئ البعيد.
ولا يمكن أيضًا تجاهل الأثر الذي تتركه الجوائز
الأدبية في تشكيل هذا الوعي الجديد لدى الكتّاب. فقد أصبحت الجوائز، دون أن نشعر
تمامًا، تؤثر في طبيعة الكتابة ذاتها من الداخل. صار بعض الروائيين يكتبون وفق ما
يتخيلونه ذائقة لجان التحكيم، ويختارون موضوعات بعينها لأنها "رائجة"،
ويعتمدون تقنيات سردية معينة لأنهم يعتقدون أنها الطريق الأقصر نحو الاعتراف
والتتويج. وهكذا بدأت الروايات تتشابه فيما بينها بشكل مقلق، وكأنها خرجت جميعًا
من ورشة كتابة واحدة. لكن الأدب، في جوهره الأصيل، لا يولد أبدًا من الرغبة في
الفوز، وإنما من حاجة داخلية صادقة إلى القول، إلى البوح، إلى مشاركة شيء ما مع
الآخرين.
|
«لا تحتاج الرواية المغربية إلى تقليد الآخر
كي تعبر الحدود؛ بل تحتاج إلى أن تنزل أعمق في تربتها المحلية، حيث توجد حكايات
لم تُكتب بعد.» |
ومع كل هذا النقد، لا يجوز إطلاقًا أن ننكر أن
الرواية المغربية قطعت أشواطًا مهمة فعلًا خلال العقود الأخيرة. فقد استطاعت أن
تفرض أسماء لامعة على الساحة، وأن تدخل قوائم الجوائز العربية والدولية بجدارة،
وأن تُترجم إلى لغات عديدة ومتنوعة، وأن تخلق لنفسها جمهورًا حقيقيًا خارج الحدود
الوطنية. لكن هذا النجاح، على أهميته، لا ينبغي أن يحجب عنا سؤالًا أكثر عمقًا
وإلحاحًا: هل أصبحت الرواية المغربية تمتلك اليوم مشروعًا روائيًا واضح الملامح،
أم أنها لا تزال تعتمد على اجتهادات فردية متناثرة هنا وهناك، دون رؤية جامعة؟
فالعالمية لا تصنعها رواية ناجحة كل بضع سنوات، بل يصنعها تراكم ثقافي طويل النفس،
ومؤسسات نشر قوية، وحركة ترجمة نشطة ومستمرة، ونقد جاد لا يكتفي بالمجاملة،
وجامعات تدرّس هذا الأدب بجدية، وقارئ يؤمن في العمق أن الرواية ليست ترفًا
زائدًا، بل ضرورة حقيقية في حياته.
والنقد الأدبي نفسه مطالب اليوم، أكثر من أي وقت
مضى، بمراجعة أدواته وآلياته. فكثير من النقاد ما زالوا منشغلين بتصنيف الروايات
ووضعها في خانات جاهزة أكثر من انشغالهم بقراءتها فعلًا وبعمق، أو بتتبع المناهج
النظرية أكثر من اكتشاف الجمال الكامن في النص. الرواية ليست معادلة أكاديمية
جافة، بل كائن حي ينبض، يتنفس باللغة، ويعيش بشخصياته، ويكبر شيئًا فشيئًا
بالخيال. وما لم يستعد النقد حساسيته الجمالية المفقودة، فسيظل عاجزًا عن مواكبة
التحولات العميقة التي يعرفها السرد المغربي اليوم.
وربما، في نهاية المطاف، لم يكن السؤال الحقيقي
هو: كيف تصل الرواية المغربية إلى العالمية؟ بل السؤال الأعمق هو: كيف تصبح
الرواية المغربية أكثر مغربية، وأكثر إنسانية في الوقت نفسه، دون تناقض بين
الأمرين؟ فالعالم لا يفتح أبوابه أصلًا للنصوص التي تقلّد غيرها وتكرر ما هو
موجود، بل يفتحها فقط للنصوص التي تضيف إليه شيئًا جديدًا لم يكن موجودًا من قبل.
والإضافة الحقيقية لا تأتي أبدًا من تقليد الآخرين ومحاكاتهم، بل من اكتشاف الذات
وحفرها بعمق.
إن الكاتب المغربي، في تصوري، لا يحتاج إلى أن
يغادر وطنه كي يصبح كاتبًا عالميًا، بل يحتاج بالأحرى إلى أن ينزل أعمق في تربته
الخاصة. فهناك، في الحقول المنسية على أطراف المدن، وفي المقاهي الشعبية البسيطة،
وفي المدارس القروية النائية، وفي محطات القطارات المزدحمة، وفي البيوت العتيقة
بروائحها القديمة، وفي وجوه الناس البسطاء الذين لا يظهرون في أي مكان، توجد
روايات كاملة لم تُكتب بعد، وتنتظر من يجرؤ على كتابتها. تلك الحكايات الصغيرة
التي تبدو للوهلة الأولى عادية جدًا وتافهة أحيانًا، هي بالضبط ما يصنع الأدب
الكبير في نهاية المطاف، لأنها تحمل بداخلها حقيقة لا يستطيع الخيال وحده، مهما
بلغت جموحه، أن يخترعها من العدم.
ليست العالمية جواز سفر تمنحه المؤسسات الثقافية الكبرى، ولا ختمًا يوضع على غلاف الرواية ليمنحها شرعية إضافية. إنها، ببساطة، تلك اللحظة الصغيرة والكبيرة في آن واحد، حين يقرأ إنسان يعيش في أقصى الأرض حكاية مغربية بسيطة، فيشعر فجأة أنها تحكي عنه هو أيضًا، رغم كل المسافة والاختلاف بينهما. عندها فقط، وليس قبلها، تنتصر المحلية انتصارًا حقيقيًا؛ لا لأنها تخلّت عن نفسها وذابت في غيرها، بل لأنها امتلكت أخيرًا الشجاعة الكافية لتكون نفسها كاملة، دون اعتذار عن أصلها، ودون أقنعة تُخفي وجهها الحقيقي. فالأدب العظيم، في نهاية الأمر، لا يعبر الحدود لأنه نسي موطنه الأول، بل بالضبط لأنه حمل هذا الموطن معه أينما ذهب، وحوّله بصبر وإخلاص إلى وطن إنساني واسع، يستطيع فيه كل قارئ، مهما بعدت به الجغرافيا، أن يجد جزءًا صادقًا من حياته الخاصة.
