|
لوحات جورج بوسكيه انعكاس لصراع مع
المادة؛ فهو ينحتها ويشتغل عليها، مانحا سطحها ثراء وبروزا نادرين. فنان جدير
بالاكتشاف وجدير بالحب. |
حسن امحيل | المغرب
يعود الفضل في اكتشاف هذا الفنان إلى عدد من المهتمين بالفن في بريتاني،
وفي مقدمتهم لويس سالان الذي كان أول من تنبّه، إلى جانب زوجته، إلى موهبة هذا
الفنان. وقد دفعهما حماسهما إلى استقطاب عدد كبير من الهواة والمهتمين بالفن. وبعد
أن أصدر هؤلاء أول كتالوج لهم في يناير/كانون الثاني 1992، واصلوا تحركهم تحت
قيادة لويس سالان، وانتهوا إلى تأسيس جمعية وفق قانون 1901، حملت اسم «إسب-آر» (Esp'Art).
ولم تكتفِ الجمعية بالتعريف بأعمال جورج بوسكيه، بل تولّت أيضا دعم مواهب
فنية شابة وواعدة، من دون أن تهمل الفنانين الذين سبق لهم أن أثبتوا حضورهم. وهكذا
انتقلت من الاحتفاء بالتلاميذ إلى تكريم الأساتذة؛ فأقامت معارض أو نظمت فعاليات
تكريمية لأعمال إدوار جورج، وجان فولانغ، وأليكس بيردال، وبرناردينو توبي،
وأندريو. وبالنسبة إلى الفنانين الأخيرين، أُقيم معرض استعادي كبير في أحد متاحف
بريتاني.
لكن يبقى جورج بوسكيه أول اكتشاف حقيقي لهذه الجمعية.
طوال حياته، لم يتوقف جورج بوسكيه عن الرسم. وقد اختار أن يمارس هذه
المهنة إلى جانب عمل هندسي أقل إرهاقا في إحدى شركات الهاتف، وهو عمل أتاح له قدرا
كبيرا من الاستقلال الذهني وأمّن له، في الوقت نفسه، موردا ماليا ـ وإن كان متواضعا
ـ يضمن له حريته في ممارسة شغفه الحقيقي: الرسم.
وما إن يجد لحظة سانحة حتى يتناول فرشاته وينطلق إلى الشوارع أو إلى
الريف. كانت أعماله الأولى مشبعة بنزعة كلاسيكية أكاديمية، ثم جاءت بعد ذلك لوحات
مائية شديدة الإلهام، متأثرة بوضوح بأسلوب دوفـي (Dufy)؛ وهي أعمال ذات لمسة خفيفة، زخرفية، ومفعمة
بشيء من الدعابة. إنها لوحات ممتعة للنظر، شديدة الإحكام في تركيبها، وتمنح
المتلقي إحساسا بالتوازن والانتعاش.
أما اللوحات الزيتية لجورج بوسكيه فهي التي ستدفع فنه إلى آفاقه الخاصة،
ولا سيما عندما بدأ يخوض تجاربه وبحوثه ذات الطابع التنقيطي، ليصل تدريجيا إلى
نظرة ذات حس انطباعي.
إن لوحاته انعكاس لصراع مع المادة. فهو يتعامل مع المادة بوصفها شيئا صلبا
وكثيفا، فينحتها بفرشاته محاولا إدخال مختلف الأحاسيس التي يلتقطها في المشهد إلى
داخل اللوحة. إنه فنان شديد التوق إلى الطبيعة، شغوف بها، لكنه لا يكتفي برصدها في
شكلها الخام؛ بل يهتم، على نحو خاص، بالطبيعة حين تكون ثمرة لعمل الإنسان.
وما يميّز عالمه أيضا أنه لا ينظر إلى الطبيعة بوصفها موضوعا جامدا، بل
يبحث عن الحياة التي تسري فيها، وعن أثر الإنسان فيها، وعن العلاقة بين المكان ومن
يسكنه ويعمل فيه.
إن جورج بوسكيه فنان مادي بالمعنى الإبداعي للكلمة؛ فالمادة عنده ليست
مجرد سطح يستقبل اللون، وإنما عنصر أساسي في بناء اللوحة. وهو يمنحها كثافة وملمسا
وثراء يجعل العمل يبدو وكأنه يتجاوز حدود الرسم التقليدي نحو شيء أقرب إلى النحت.
وتظهر ألوانه الزيتية في درجات مشرقة، وقد كان يلجأ في بعض المراحل إلى
تعزيز الألوان بدرجات إضافية متجاورة، وهو ما يمنح بعض أعماله انطباعا قريبا من
التنقيطية، من دون أن تكون تنقيطية بالمعنى الصارم.
وهنا تكمن خصوصيته وابتكاره: فهو لا يقلّد مدرسة فنية بعينها، وإنما يبحث
عن طريقته الخاصة في جعل اللون والمادة والضوء تنبض داخل اللوحة.
لقد كان لجورج بوسكيه أسلوبه الخاص في التعبير عن الأشياء. ومن خلال هذا
الأسلوب استطاع أن يمنح لوحاته شخصية واضحة، وأن يجعل المشهد الطبيعي أو الإنساني
نابضا بالحياة، من دون أن يفقد بساطته وعفويته.
وهذا بالضبط ما يمنح أعماله قيمتها: أنها لا تستعرض التقنية من أجل
التقنية، وإنما توظفها للوصول إلى إحساس صادق بالمكان والضوء والحياة.
_________________________________________________
المصدر:

