📁 تدوينات جديدة

أبو نواس: حامل مشعل التجديد في الشعرية العربية | جواد عامر

أبو نواس: حامل مشعل التجديد في الشعرية العربية | جواد عامر
جواد عامر  | المغرب

الحسن بن هانئ المعروف بأبي نواس (145 - 189 هـ)، شاعر العصر العباسي، ولد في الأهواز، ثم انتقلت أسرته إلى البصرة ونشأ بها. توفي والده وهو حدث صغير، فدفعت به أمه إلى الكُتّاب، ثم إلى عطار يعمل عنده أجيراً. لزم والبة بن الحباب في الكوفة، بعدها فعمل على تأديبه وتعليمه، وصحب فيها جماعة المجان كحماد عجرد ومطيع بن إياس. أقام عاماً في بادية بني أسد يأخذ اللغة من محضنها الصافي، وعاد إلى البصرة لينهل العلم والأدب على يد شيوخها. لزم خلف الأحمر وأخذ عنه الكثير، وهو من علّمه ألا يقول الشعر حتى يحفظ مئات الأشعار ثم ينساها. كما تلقى علم الفقه والتفسير والحديث، فكان على اطلاع واسع بالأحكام والفتيا والاختلاف. اتصل بالبرامكة وآل الربيع، ونال حظوته عندهم لمدحهم إياهم، كما اتصل بالرشيد والأمين ومدحهما في قصائد كثيرة، خاصة الأمين الذي اتخذه نديماً له.

شاعر بمكانة فريدة

ارتبط في الذاكرة الشعرية للقارئ العربي بالمجون والعربدة والتهتك، فنظروا إليه نظرة ازدراء لما عرف عنه من تحلل ودماثة خلق، لكنه حظي مقابل ذلك بعناية الدارسين المحدثين، فأفرد له النويهي كتاباً يدرس حياته وشعره من زاوية علم النفس تحت مسمى: «نفسية أبي نواس»، وخصص له العقاد كتابه «أبو نواس الحسن بن هانئ». بل لقي تمجيداً من أهل العلم العارفين، فقال عنه الشافعي: «لولا مجون أبي نواس لأخذت العلم عنه»، وقال عنه عبيد الله بن محمد بن عائشة: «من طلب الأدب فلم يروِ شعر أبي نواس فليس بتام الأدب». ولم يكن تخصيص جزء كامل من موسوعة الأغاني للراغب الأصفهاني لأبي نواس محض صدفة، وإن ذهب الذاهبون إلى تبرير ذلك بشعوبيته، إلا أن الرد على هؤلاء سهل يسير؛ فبشار بن برد كان أكثر شعوبية وحقداً على العرب، فلِمَ لم يخصص له كتاباً بعينه؟ ولِمَ لم يحظ غير بشار من الشعراء ذوي الأصول الفارسية الذين تناثرت أسماؤهم وأشعارهم في الموسوعة بنفس ما حظي به الحسن بن هانئ؟ إنه شاعر بمكانة فريدة جعلته يتعالى في سماء الشعرية العربية، منحته هذه الحظوة التي جعلت الأصفهاني يفرد له مجلداً بكامله دون غيره من الشعراء الفحول.

بواكير البداية الشعرية

لم يكن أبو نواس ينتظر قراراً من شيخه خلف الأحمر لينطق الشعر، وإنما كانت مدرسة خلف طريقاً لإنضاج التجربة الشعرية وإخراجها على أكمل وجه، في عصر امتاز بوجود كبار شعراء العربية، ووسم بالصراع الكبير بين أنصار القديم والتجديد. فكان الشاعر العربي يحتاج إلى نضج فكري واغتناء ثقافي يمكنه من الركوب على نفس الموجة، وإلا وجد نفسه خارج الأسوار الشعرية. فنطق أبو نواس، صاحب الضفيرتين اللتين كانتا تنوسان على عاتقيه، الشعر وهو لا زال صغيراً، ومن جميل ما قال:

حامل الهوى تعبُ

يستخفه الطربُ

إن بكى يحق له

ليس ما به لعبُ

تضحكين لاهيةً

والمحب ينتحبُ

تعجبين من سقمي

صحتي هي العجبُ

وهو شعر يدل على تفتق موهبته مبكراً، معلنة عن العقد النفسية التي تكونت في داخله بسبب الاضطرابات التي عاشها ولازمته منذ طفولته، ما جعله يبحث عن مخارج تقبع وراء أسوار القيم الفضلى، اتخذت أشكالاً متعددة وصوراً متنوعة للمجون والتحلل، من شرب للخمر ومغازلة وتشبب بالغلمان، وتبجح بالمعصية ومجاهرة بها. أنطقها في كثير من شعره، راسماً صورة الصراع التي كانت تعتمل في نفسه نتيجة طبيعة النشأة المضطربة الملأى بالتناقضات الاجتماعية التي أثرت على مزاجه وسلوكه، صراع داخلي تجلت فيه كل متناقضات الحياة التي جعلت منه كائناً مغترباً وسط زخم اجتماعي متعدد الثقافات.

شعره تجربة وجودية واستنطاق نفسي

لقد جاء شعر أبي نواس تصويراً صادقاً ومعبراً عن حقيقة هذا التناقض الذي سلك طريق المجون، فكان استنطاقاً وجودياً لدقائق النفس، ما حمل عليه كثيراً من سهام النقد التي مارسها المتلقي العربي عبر تاريخه دون وعي عميق بضرورة الفصل بين الجانب الأخلاقي والأدبي، وإدراك العوامل التي أسهمت في إخراج شعر من هذا اللون، عوض التعامل مع شعره على أنه تجاوز سافر للقيم الأخلاقية وانحلال صارخ، بقدر ما هو ثورة نفسية تعبر عن التوق إلى التحرر من القيود الاجتماعية التي تجعل من تجربة الشاعر النواسي تجربة وجودية تمعن في الحياة وتتأمل في تفاصيلها. إنها ليست مجرد قصائد ماجنة، وإنما هي رؤية من العالم تنم عن فلسفة عميقة أفرزتها تنشئة اجتماعية شديدة التعقيد والاضطراب، لذا فاختزال أبي نواس في صورة ضيقة تتسيج بالمجون هو أمر لا يمكن التسليم به.

أبو نواس شاعر مجدد صاحب رؤية

«أبو نواس ليس مجرد شاعر ماجن، وإنما شاعر مجدد جعل من الشعر استنطاقًا وجوديًا لدقائق النفس وثورةً على القيود الاجتماعية.»

إنه شاعر يكبر ذلك بكثير، فهو مجدد في بنية الشعر وصاحب رؤية ثاقبة لما ينبغي أن تكون عليه القصيدة شكلاً ومضموناً، فكان من دعاة ترك الأطلال التي ظلت تقليداً شعرياً عند كثيرين من شعراء عصره. يقول أبو نواس:

تصف الطلول على السماع بها

أفذو العيان كأنت في الفهم

وإذا وصفت الشيء متبعاً

لم تخل من زلل ومن وهم

إنه إعلان صريح عن الرفض المطلق للمقدمة الطللية التي رآها غير متناسبة مع طبيعة عصر التمدن، عصر لم يعد فيه للطلل وجود مادي ولا رمزي، فلا يعقل وصفها سماعاً دون رأي العين، لأن في ذلك حملاً للقول على الزيف والبهتان والوهم، لذا نجد أبا نواس متثاقلاً معلناً عن وعورة هذا المركب لما أمره الخليفة بأن يبتدئ قصيدته بالطلل بعد سجنه لاشتهاره بالخمر، آخذاً عليه ألا يذكر فيها شيئاً عن الخمرة، فقال:

أعر شعرك الأطلال والدمن القفرا

فقد طال ما أزرى به نعتك الخمرا

دعاني إلى وصف الطلول مسلط

تضيق ذراعي أن أجوز له أمرا

فسمع أمير المؤمنين وطاعة

وإن كنت قد جشمتني مركباً وعرا

فهو يعتبر وصف الأطلال فراغاً ولا طائل منه، غير أنه مضطر لامتثال أمر الخليفة، معتبراً ذلك مركباً وعراً لا مفر منه، فكان موقف أبي نواس واضح المعلم، ثائراً على التقليد الشعري، ما جعله أكبر الرافضين للمحاكاة وأكثر المؤمنين بضرورة التجديد الشعري، مواكبة للعصر المختلج بالثقافات الوافدة.

شاعر ثائر مجدد

حمل أبو نواس مشعل التجديد والثورة على السائد من الخطاب الشعري شكلاً وصورة وإيقاعاً وأسلوباً ولغة، فكانت قصائده التي نظمها في مختلف الأغراض دالة على مقدرة الشاعر العباسي وتمكنه من التأقلم مع السياقات المختلفة المستدعية للخطاب، فجاءت المقدمة الخمرية والغزلية ومقدمة الظعن بديلاً في قصائده له عن مقدمة الطلل، وكانت اللغة السهلة البعيدة عن التكلف ميزة واصمة لشعره، لغة استمدت معجمها ومعانيها من روافد الثقافات الجديدة ومن البيئة الحضرية التي مازت العصر العباسي خلال القرن الثاني الهجري، فكانت طيعة لينة سهلة الفهم، تتسيج داخل أبنية حكائية قصصية في شعر الخمريات والغزليات والهجاء عنده، وتسترفد أحياناً من لغة العامة معجمها، ما جعلها قريبة من الناس دانية من الأفهام، كما نجد في قصته الشعرية عن رحلته إلى خمارة برفقة جماعة، يقول:

وليلة دجن قد سريت بفتية

تنازعها نحو المدام قلوب

إلى بيت خمار ودون محله

قصور منيفات لنا ودروب

وقال ادخلوا حييتم من عصابة

فمنزلكم سهل لدي رحيب

وجاء بمصباح له فأناره

وكل الذي يبغي لديه قريب

أو في قوله متغزلاً بجارية تدعى «جنان»:

جِنانُ يا نور عيني

قد حل جسمي الخطوبا

فعبارة «نور عيني» متداولة في الخطاب العامي على ألسنة الناس، يستقيها أبو نواس لتتشكل شعرياً في بنية البيت، بل نجده يستعمل اللفظ العامي المولد مثل «باس يبوس» بمعنى قبّل في قوله:

ولو علمنا أنه هكذا

كنا إذا بُسنا مسحناها

وتتجاوز لغته الشعرية هذا الاستعمال إلى استرفاد الخصائص الفكرية لعلم الكلام أحياناً، كما في قوله:

يا عاقد القلب مني

هلا تذكرت حلاّ

تركت قلبي قليلاً

من القليل أقلا

يكاد لا يتجزّا

أقل في اللفظ من لا

حيث نجده متأثراً بعلم الكلام في هذا القول بفكرة الجزء الذي لا يتجزأ أو ما يسمى بالجوهر الفرد. يقول الآمدي: «فأما الجوهر الفرد فعبارة عن جوهر لا يقبل التجزيء لا بالفعل ولا بالقوة»، وإن انتقد الجاحظ ذلك في «البيان والتبيين»، معتبراً أن لجوء الشعراء لعلم الكلام ناجم عن عجز الأسماء عن اتساع المعاني.

«حمل أبو نواس مشعل التجديد والثورة على السائد من الخطاب الشعري شكلاً وصورةً وإيقاعًا وأسلوبًا ولغة.»

كما نجد أبا نواس يلتقط من الروافد الثقافية الدخيلة، من فارسية وهندية ورومية، معجم قصيدته، ما منح شعره هوية خاصة جعلته يمتاز عن غيره بهذه السمات المعجمية، فينسب إلى صاحبه وسط مئات القصائد، يقول مستدعياً المثل الفارسي:

كقول كسرى فيما تمثله

من فرص اللص ضجة السوق

وقوله:

لا تعطين الصبي واحدة

يطلب أخرى بأعنف الطلب

وهي أمثال غدت جارية على ألسنة العامة من الناس، كما قال الدكتور مصطفى هدارة. أما الصورة الشعرية، فإن أبا نواس وهبها طعماً خاصاً بها، فأخرجها من نسقها المعتاد في الشعرية العربية، فتخطّى الصورة الكلاسيكية الناقلة للمحسوس والواقعي إلى الصورة الإيحائية الرمزية المفعمة بالحركة والدراما والخيال الشعري الرابط بين انفعالات الشاعر والحركة المادية، مع ميزة لا تخفى وهي الطرافة التي لم تخلُ منها كثير من قصائده. يقول أبو نواس:

في مجلس ضحك السرور به

عن ناجذيه وحلت الخمر

صورة مبتكرة يصف فيها السرور جاعلاً منه إنساناً ضاحكاً لدرجة ظهور ناجذيه في مجلس الخمر، ومن جميل تصويره نعته للحياة وأحداثها بالرياح التي يختلف هبوبها بين الرخاء والقوة، فقال:

إن الحوادث كالرياح

عليك دائمة الهبوب

كما كان أبو نواس شديد الاعتناء بالصنعة اللفظية إلى جانب صنعة المعنى، فظهر الطباق والجناس، وتجلت المقابلة والتورية وغيرها من صنوف البديع في قصائده، لتدل على عناية فائقة باللغة، فكان نزوعه إليها ظاهراً كغيره من شعراء عصره كبشار والعباس بن الأحنف وأبي الشيص وغيرهم. يقول أبو نواس:

عباس عباس إذا احتدم الوغى

والفضل فضل والربيع ربيع

وقوله:

دقت ورقت مذقة من مائها

والعيش بين رقيقتين رقيق

وذكر صاحب «العمدة» أن هذا البيت نوع من الصنعة أطلق عليه المتأخرون اسم التصدير، أورد الأعجاز إلى الصدور، وتظهر صنعة أبي نواس جلية أكثر في قصيدته التي توسل فيه لجعفر بن الربيع، جاعلاً قوافيها واحدة (الفضل)، فقال:

أأسلمتني يا جعفر بن أبي الفضل

فمن لي إذا أسلمتني يا أبا الفضل

وأي فتى في الناس أرجو مقامه

إذا أنت لم تفعل وأنت أخو الفضل

فقل لأبي العباس إن كنت مذنباً

فأنت أحق الناس بالأخذ بالفضل

ولا تجحدوا بي ودّ عشرين حجة

ولا تفسدوا ما كان منكم من الفضل

ووسط هذا الخضم من المظاهر التجديدية التي وسمت شعر أبي نواس، كان التناقض سمة لشعره الذي جمع فيه بين المجون والزهد، ما عكس اضطراب شخصيته وازدواجيتها، حيث بدا تراوحها بين الانحلال والعودة إلى الله ظاهراً في آخر حياته، وله في ذلك أبيات تنسب إليه يقول فيها:

يارب إن عظمت ذنوبي كثرة

فلقد علمت بأن عفوك أعظم

إن كان لا يرجوك إلا محسن

فبمن يلوذ ويستجير المجرم

أدعوك ربي كما أمرت تضرعاً

فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم

مالي إليك وسيلة إلا الرجا

وجميل عفوك ثم إني مسلم

لقد كان أبو نواس، بالرغم من مجونه، شاعراً حاملاً لمشعل التجديد والثورة الشعرية، وما إفراد الأصفهاني كتاباً خاصاً له دون غيره من الشعراء إلا دليل قاطع على مكانته ومنزلته في هرمية الشعر العربي ودوره الرائد في حركية التجديد الشعري، منزلة كان يعيها صاحبها نفسه، وهو القائل عن نفسه: «لو أن شعري يملأ الفم ما تقدمني أحد»، فقد جدد في الوقت الذي سمح به التجديد، وحافظ وفقاً لإملاءات المحافظة، وكان شعره أقدر على مخاطبة العقول في شتى المواقف، جامعاً بين الجد حين يقتضي المقام جداً، والهزل والتفكه إذا ما استدعى المقام هزلاً، فكان شاعراً موسوماً بالقدرة على التكيف التي أظهرتها شتى الأغراض التي نظم فيها قصائده، فكان فيها مجيداً غاية الإجادة، وبارعاً كل البراعة، وتكفي شهادة أبي عبيدة الذي قال فيه: «ذهبت اليمن بجيد الشعر في قديمه، ولِامرئ القيس في الأوائل، وبأبي نواس في المحدثين»، لتدل على أن الحسن بن هانئ كان شاعر عصر التجديد بامتياز.

تعليقات