محرزية عيساوي | تونس
تنهض افتتاحية ذ. حسن امحيل، المدير العام لسلسلة
«أصداء الفكر»، على سؤال إشكالي ذي امتدادات فلسفية ونقدية: من يملك حق تسمية الأشياء؟
ولا يتحدد الرهان هنا في التسمية باعتبارها إجراءً لغويًا محايدًا، بل باعتبارها ممارسة
ثقافية تسهم في إنتاج المعنى، وتوجيه التلقي، وترسيم الحدود بين ما يُعترف به إبداعًا
وما يُدفع إلى هامش المشهد الثقافي.
من منظور النقد الثقافي، تنطلق الافتتاحية من مساءلة
السلطة الرمزية التي تمارسها المؤسسات والأطر التصنيفية في تحديد القيمة الأدبية والفنية.
فالتصنيف، وفق هذا المنظور، ليس بريئًا بالضرورة؛ إذ قد يتحول إلى آلية لإعادة إنتاج
الهيمنة، حين تختزل التجارب الإبداعية في قوالب جاهزة، أو تجعل الاعتراف مشروطًا بالانتماء
إلى خريطة ثقافية محددة سلفًا. ومن ثم، فإن الدعوة إلى توسيع دائرة النظر ليست مجرد
موقف انفتاحي، بل هي اعتراض ضمني على احتكار المعنى وتقييد شرعية الاختلاف.
وتتجلى القيمة الحجاجية للنص في انتقاله من مساءلة
سلطة التسمية إلى مساءلة شروط الاعتراف. فالكاتب لا يكتفي بالتشكيك في التصنيفات، بل
يلفت إلى أن التجربة الإبداعية قد تحمل قيمة لا تستنفدها لحظة النشر، ولا تختزلها مؤشرات
الانتشار والتفاعل. وهنا يلتقي خطابه مع التصورات الحديثة التي تميز بين القيمة الجمالية
والحظوة المؤسسية، دون أن يعني ذلك إلغاء دور النقد أو التقويم؛ فالمطلوب ليس تحصين
الأعمال من الحكم، وإنما تحرير الحكم من الاختزال والتسرع.
وعلى المستوى البنائي، يعتمد النص الاستفهام المتكرر
أداةً لتوليد التوتر الفكري، ويستثمر المقابلة بين الخريطة الثقافية والأرض التي تحتويها
لتجسيد الفارق بين التصنيف والواقع الإبداعي. غير أن هذا البناء، على قوته التأملية،
كان يمكن أن يكتسب مزيدًا من الإحكام لو استند إلى أمثلة تطبيقية تكشف آليات الإقصاء
الثقافي، أو تميز بوضوح أكبر بين التصنيف الضروري للفهم والتصنيف الذي يتحول إلى سلطة
مانعة.
إن أهمية الافتتاحية، في النهاية، تكمن في جعلها
سؤال الاعتراف الثقافي مدخلًا للتفكير في وظيفة المجلة نفسها: أهي فضاء لإعادة توزيع
الأسماء والمراتب، أم مجال لإتاحة إمكانات جديدة للقراءة؟ وبذلك، تتجاوز الافتتاحية
تقديم العدد الخمسين لتطرح تصورًا للممارسة الثقافية قوامه الانفتاح النقدي، والإنصات
إلى الأصوات الجديدة، ومقاومة اختزال الإبداع في خرائط نهائية. إنها دعوة إلى ثقافة
تراجع أحكامها باستمرار، لأن حيوية الأدب لا تكمن في ثبات حدوده، بل في قدرته المتجددة
على اختبارها وتجاوزها.

