📁 تدوينات جديدة

من يملك حق تسمية الأشياء؟ | حسن امحيل

من يملك حق تسمية الأشياء؟ | حسن امحيل
 

حسن امحيل | المغرب

نحن لا نعيش بين الأشياء وحدها، بل بين الأسماء التي أعطيت لها.

قبل أن نقرأ نصا، ثمة من سبقنا إلى وصفه؛ وقبل أن نكتشف كاتبا، تكون الثقافة قد منحته موقعا ما في خريطتها؛ وقبل أن يصل عمل إلى ذاكرتنا، يكون النقد أو المؤسسة أو الزمن قد دخل في حوار طويل مع قيمته. هكذا تبدو الثقافة، في أحد وجوهها العميقة، محاولة مستمرة لفهم الأشياء وتسميتها ومنحها مكانها.

لكن السؤال الذي يستحق أن يبقى مفتوحا هو: هل تستطيع أي خريطة ثقافية أن تحتوي الأرض كلها؟

ومن قال إن مدينة ما مركز ثقافي، وإن أخرى لا تستحق سوى أن تكون طرفا في الحكاية؟ ومن يملك أصلا سلطة أن يقول: هذا مهم، وهذا عابر؟ فكما ترسم للأعمال والكتب والمبدعين خرائط للقيمة والحضور، ترسم للأمكنة أيضا خرائطها؛ مدن تضاء، وأخرى تبقى خارج دوائر الضوء، لا بالضرورة لأنها أقل غنى، بل لأنها لم تدخل السياق الذي يجعلها مرئية.

ليس في ذلك انتقاص من النقد، ولا من لجان التحكيم، ولا من الجوائز الكبرى التي أسهمت في إضاءة تجارب أدبية وفنية استحقت أن تقرأ ويحتفى بها. فالتقييم فعل ضروري، والتمييز بين الأعمال جزء من صميم الحياة الثقافية.

 

«الثقافة الحية ليست التي تغلق خريطتها، بل التي تترك فيها دائما مساحة بيضاء؛ مساحة لاحتمال أن يأتي صوت جديد، أو أن نكتشف في صوت قديم ما لم نكن قد أحسنا الإصغاء إليه.»

 

لكن القيمة الإنسانية للعمل الإبداعي أوسع دائما من أي قائمة، وأرحب من أي تصنيف، وأبطأ من أن تختصرها لحظة إعلان.

كم من نص احتاج سنوات كي يجد قارئه؟ وكم من صوت لم يكن ناقصا في قيمته، وإنما كان بعيدا عن السياق الذي يمنحه فرصة الظهور؟

لذلك لا ينبغي للثقافة أن تكتفي بالسؤال: من يستحق أن يكون في الواجهة؟ بل أن تسأل أيضا: من لم نلتفت إليه بعد؟

فالثقافة الحية ليست التي تغلق خريطتها، بل التي تترك فيها دائما مساحة بيضاء؛ مساحة لاحتمال أن يأتي صوت جديد، أو أن نكتشف في صوت قديم ما لم نكن قد أحسنا الإصغاء إليه.

وربما كانت مهمتنا الأجمل، نحن القراء والكتاب والمجلات الثقافية، ألا نعيد توزيع الأسماء فحسب، بل أن نوسع دائرة النظر نفسها؛ لأن العالم الثقافي أكبر دائما من الخريطة التي رسمناها له.

تعليقات