📁 تدوينات جديدة

زينب فرحات في حوار مع «أصداء الفكر»: «نهضتُ من بين الركام لأحوّل الألم إلى فن»

زينب فرحات في حوار مع «أصداء الفكر»: «نهضتُ من بين الركام لأحوّل الألم إلى فن»

أجرت الحوار:
Maysae Kdouh
ميساء قدوح | لبنان

يأتي الفن بوصفه لغة قادرة على تجاوز الحدود والجغرافيا، وعلى تحويل الألم إلى أثر، والخسارة إلى ذاكرة، والتمسك بالأرض إلى صورة نابضة بالحياة.

من بلدة سحمر البقاعية في لبنان، تحمل الفنانة التشكيلية زينب فرحات تجربتها الفنية والإنسانية إلى فضاء دولي، بعد اختيار أعمالها للمشاركة في معرض الشباب الدولي في يكاترينبورغ بروسيا، إلى جانب فنانين من 98 دولة. وهي مشاركة تكتسب دلالتها من مسار شخصي لم يكن مفصولا عن واقع الحرب والتهجير وتدمير المنزل والمرسم وفقدان أرشيف فني امتد على سنوات.

بدأت زينب رحلتها مع الفن مصادفة، قبل أن يتحول الرسم إلى مسار حياة، وإلى وسيلة للتعبير عن التجربة الإنسانية، ثم إلى مساحة لمواجهة المحو والنسيان. وفي أعمالها، تتجاور التعبيرية مع الطبيعة، وتتقاطع الذاكرة مع الأرض، ويتحول القماش إلى مساحة لاستعادة ما هدمته الحرب.

في هذا الحوار مع «أصداء الفكر»، تتحدث زينب فرحات عن بداياتها، وعن علاقتها بالفن، وتجربتها مع الحرب والخسارة، ودلالة تمثيل لبنان في معرض دولي، كما تكشف عن رؤيتها للفن بوصفه مقاومة، وعن مشاريعها المستقبلية ورسالتها إلى الفنانين الشباب الذين تحاصرهم الظروف الصعبة.

 

زينب فرحات | حوار مع أصداء الفكر

زينب فرحات: «نهضتُ من بين الركام لأحوّل الألم إلى فن»

حوار خاص مع «أصداء الفكر»
أصداء الفكر

1. بداية، نبارك لكِ اختيار أعمالكِ للمشاركة في معرض الشباب الدولي في يكاترينبورغ. كيف تلقيتِ خبر اختياركِ لتمثيل لبنان بين فنانين من 98 دولة؟ وما كان شعوركِ في تلك اللحظة؟

زينب فرحات

شكرا لدعمكم وتقديركم، أعتز به.

تلقّيت خبر اختياري من قبل اللجنة المنسّقة للفنانين المشاركين في المعرض الدولي. عند التاسعة مساء، وصلني إشعار من مجموعة على تطبيق واتساب، فدخلت المجموعة لأجد تبريكات وتهنئة باختياري فنانة تشكيلية تمثّل بلدها في المعرض الدولي بروسيا، الذي يضم 1000 عمل فني لفنانين من 98 دولة مشاركة بهذا المهرجان العالمي.

شعوري كان عبارة عن صدمة مشاعر. لا أستطيع التعبير عن الشعور الذي أصابني، خاصة أنني كنت قد نسيت أمره. فسارعت إلى تدقيق البريد الإلكتروني، لأجد بريدا كان قد وصلني سابقا ولم أنتبه له، وفي هذا البريد كانت مباركة بقبولي في المعرض لتمثيل بلدي.

الشعور لا يوصف؛ مشاعر مختلطة فيها الكثير من الفرح والامتنان لله عز وجل، الذي أنصفني بعد عناء وتعب وصبر وظروف صعبة جدا مررت بها.

شعور بالفخر والاعتزاز بما استطعت الوصول إليه رغم الحروب وقساوتها.

زينب فرحات في معرض فني
أصداء الفكر

2. أخبرينا عن زينب فرحات الفنانة التشكيلية... متى بدأت علاقتكِ بالفن؟ وهل كنتِ منذ طفولتكِ تشعرين بأن الرسم سيكون جزءا أساسيا من حياتكِ؟

زينب فرحات

زينب فرحات فنانة تشكيلية لبنانية، من بلدة سحمر البقاعية، حيث نشأت وترعرعت وأعمل حاليا.

بدأت علاقتي بالفن صدفة. كان لي صديق في المرحلة الثانوية، طموحه كان المسرح والسينما. فعند استلامنا إفادات النجاح من مرحلة الثانوية العامة، اقترح صديقي أن أتقدم للتسجيل في كلية الفنون على اختصاص الفنون الجميلة، وهو على اختصاص المسرح.

فتقدمت لامتحان الدخول من دون أي خلفية لها علاقة بالفن، حتى إنني لم أكن أدري أنه يوجد امتحان رسم إلا عند حضوري لموعد الامتحانات. فأذكر حينها أنني ذهبت إلى مكتبة قريبة وقمت بشراء قلم فحم للرسم، وكانت المرة الأولى التي أرسم فيها بقلم فحم، وأرسم أمامي في امتحان الدخول رسما مباشرا لطبيعة صامتة.

قُبلت بالجامعة، ومن هنا بدأت رحلتي مع الفن والاكتشاف، وصولا إلى ما وصلت إليه اليوم.

كلا، لم يكن حلما أو طموحا، فأنا أحب الحيوانات، وكان طموحي أن أكون طبيبة بيطرية، لكن بسبب تأخر إفادات النجاح لم أستطع التقديم على هذا الاختصاص.

أصداء الفكر

3. ما الذي يعنيه لكِ الفن؟ هل هو مساحة للتعبير، أم ملجأ، أم رسالة، أم شكل آخر من أشكال المقاومة؟

زينب فرحات
الفن لي هو الصعود من الظلمات إلى النور، هو مساحة للتعبير والتنفيس والتفريغ، وملجأ لكل من تخلّت عنه الحياة بقساوتها، ورسالة أبلغ من الكلام نصل بها إلى كل العالم.

والأهم بالنسبة لي اليوم، في ظل الأوضاع الأمنية التي يمر بها وطننا، أن الفن يشكّل شكلا كبيرا من أشكال المقاومة.

أصداء الفكر

4. في تصريحاتكِ قلتِ إن القوة ليست بالسلاح وحده، بل بالفن. ماذا تقصدين بهذه العبارة؟ وكيف يمكن للوحة أن تكون فعل مقاومة؟

زينب فرحات

إن لم يكن الفنان مقاوما لزمنه، شاهدا على واقعه، وناطقا بما يعيشه مجتمعه، فما الذي يبقى من فنه؟

فالفنان لا يعيش خارج الأحداث، بل يحملها إلى لوحته، يوثّقها، ويرفض أن يسمح للواقع أن يُمحى من الذاكرة. وفي زمن القصف والدمار، أن يستمر الفنان في الإبداع وأن يحوّل ما يراه ويعيشه إلى عمل فني، هو بحد ذاته موقف ومقاومة.

اليوم لا أستطيع حمل السلاح للدفاع عن أرضي، لكنني أستطيع حمل ريشتي ومقاومة هذا الاحتلال.

لقد عملت على بعض الأعمال الفنية التي تحاكي مجازر غزة وتضيء على القضية الفلسطينية.

وبعد الحرب الأخيرة، مسكت ريشتي ونزلت أرضي، وبدأت الرسم من أرضي بطبيعتها الجميلة، ليس لنشر فن جميل بورق أخضر وزهور وأنهار، بل الرسالة الأبلغ أن هذه الأرض أرضي، لن أسمح لمحتل مغتصب الأراضي بالوصول إليها. وهنا أجسّد ذاكرة هذه الأرض.

ولمن لا يريد أن يرى مشاهد الدماء في أعمالي، أقول: انظر إلى الطبيعة، لكن انظر بروح إنسان مقاوم تعلّق بها؛ فهذه أرضك، وطنك، لا تسمح بجرفها يوما كما تُجرف أراضي الجنوب. انتفض لبلدك وكن مقاوما.

أصداء الفكر

5. الحرب تركت آثارا قاسية على الناس والأمكنة، وأنتِ أيضا خسرتِ عددا من أعمالكِ الفنية. كيف أثّرت هذه التجربة فيكِ كإنسانة وكفنانة؟

زينب فرحات

لقد شهدنا حربا قاسية بكل المعايير. لم تكن حرب الـ66 يوما فقط بصوت القصف والقتل والتدمير، بل كانت انقلابا فكريا وجسديا وروحيا... كل ما في داخلي تغيّر وتهيّأ للصعوبات والتحديات القادمة.

بعد تدمير منزلي ومحترفي وخسارة جميع أعمالي الفنية، فلم أستطع إنقاذ سوى لوحة واحدة، قمت بترميمها لاحقا. واستمرار العدو بهمجيته لتأتي حرب ثانية وتدوس على أوجاعنا بقوة.

وجدت، بسرعة الأحداث والظلم الذي نمر به، أنه لا مكان للفقد والشعور بالخسارة، بل في كل مرة كنت أنفض ركام الحرب عني وعن فني لأعود أقوى وأقول لعالم بأسره: لن تمحو إسرائيل ذكرنا، ولن تهزمنا.

عدت في كل مرة إلى ريشتي، وعدت لافتتاح محترف جديد وأعمال جديدة. عدت لأقاوم بفني وفكري وأرضي، ولأحوّل ما هو ضعف إلى قوة ومثابرة.

لم تكن خسارة أعمالي فعلا عاديا، بل إن الأثر الثقيل لخسارة أرشيف أعمالي على مدار 10 سنوات ولّد داخلي شعور الانتقام والانتفاضة بوجه هذا المحتل الغاصب. وما دمرته إسرائيل تحت الركام، جعله الله يحيا في أهم معرض دولي بروسيا بمشاركة دول العالم.

عمل فني في معرض
أصداء الفكر

6. هل شعرتِ يوما بعد خسارة أعمالكِ أن الحرب سرقت جزءا من ذاكرتكِ الفنية؟ وكيف استطعتِ أن تعودي إلى الرسم من جديد؟

زينب فرحات
الحرب تسرق كل شيء، لكن الفنان الحقيقي لا تستطيع سرقة روحه وفنه. وطالما أن هذه الروح لا تزال على قيد الحياة، فما سرقته إسرائيل سأعيد استرجاعه، وتكوين أعمال أكثر وأكثر، ويكون هذا الفنان الشاهد على حماقتها وإجرامها وعلى زوالها، إن شاء الله.
أصداء الفكر

7. بعد أن دُمّر محترفكِ وخسرتِ معظم أعمالكِ، قلتِ إنكِ ستعيدين بناء ما هُدم. من أين استمددتِ هذه القوة والإصرار؟

زينب فرحات

الدافع الحقيقي وراء هذه القوة والإصرار هو قوة ذلك المقاوم الصابر خلف تلّة، يقاوم أعتى جيوش الأرض عدوانية ووحشية؛ لا طعام، لا شراب، لا أمان، لا سلام.

فبأي حجة أستسلم وأضعف، وأنا التي عدت لضيعتي بفضله وأنام بمنزل هادئ وآكل وأشرب؟ كيف لي أن أتركه وحده، مثلما تخلى العالم كله عنه؟

كلا، أنا كتف ذلك المقاوم، وأنا هنا لأوصل بفني رسالة الدفاع عنه وأطالب بحمايته وأمانه، كما كان لي كل يوم وحتى اللحظة.
أصداء الفكر

8. هل تغيّر فنكِ بعد الحرب؟ هل اختلفت المواضيع أو الألوان أو المشاعر التي تعبّرين عنها في لوحاتكِ؟

زينب فرحات

لكل مرحلة تعبيرها الفني. فأنا بأغلب أعمالي الفنية يغلب عليها أسلوب التعبيرية، لكن بالوقت الحالي، بعد حرب 2026، دخلت عالم ألوان الطبيعة والرسم المباشر لطبيعة أرضي، وخاصة الأنهار التي دمرت إسرائيل جسورها التاريخية، ولكي يرى العالم تمسّكنا بأرضنا، ليس فقط عبر القتال، بل أيضا عبر الفن.

وقد ذكرت سابقا: لمن لا يريد مشهد الدماء، انظر إلى مشهد الألوان الخلابة، لكن علّ رسالة التمسّك بالأرض تصل إليك يوما عبرها.

في انتقالي لرسم طبيعة أرضي، اختلفت مشاعري كثيرا عن السابق. فبعد تهجيري مرتين من قرانا، أصبحت أرسمها بحب كبير واشتياق، وعند رسمي أود لو أن يتوقف الزمن بي هنا على هذه القطعة الجميلة من الأرض، وقد تعمّقت برؤية جمال الله الخالق في كل شبر من هذه الأرض.

أصداء الفكر

9. ما اللوحة أو العمل الذي تم اختياره للعرض في المعرض الدولي؟ حدّثينا عن فكرته، قصته، والرسالة التي تحملها.

زينب فرحات

لقد قمت بتقديم 13 عملا فنيا بتنوّع الأساليب والمواضيع؛ منها «الندم والاضطراب»، لوحات تعبيرية من مجموعة «أرواح عارية»، عمل فني عن النبي يوسف باسم «يوسف»، عمل فني لجدارية موزاييك، أعمال فنية عن طبيعة أرضي بالرسم المباشر، ولوحة زيتية «Venus».

فكل عمل يحكي قصته ورسالته من خلال النظر إليه والتعبير الموجود داخله.

زينب فرحات وأعمالها الفنية
أصداء الفكر

10. عندما ترسمين، من الذي يقودكِ أكثر: الفكرة أم الشعور؟ وهل تولد اللوحة لديكِ من تجربة شخصية أم من قضية تشغل بالكِ؟

زينب فرحات

أغلب أعمالي سابقا بُنيت على الشعور، وبعدها وُلدت الفكرة، لذا كان الأسلوب التعبيري هو الطابع العام لأعمالي.

فكل عمل يختلف عن الآخر؛ أحيانا يبدأ بالشعور وبعدها تولد الفكرة، والعكس تماما. أما أعمالي اليوم، فمبنية جميعها على فكرة المقاومة بفني، بكل الأساليب والمواضيع. والرسم المباشر بالطبيعة هو تحت هذا المبدأ، لكن العمل الفني عند تنفيذه مبني على الشعور بالأرض والتعلق بها وانتقالي من لون إلى آخر، متأملة انتقال الله بتوزيع ألوانها على المشهد أمامي.

العديد من أعمالي الفنية مبنية على تجارب شخصية، وخاصة مشروع «أرواح عارية». وأيضا يوجد العديد من الأعمال الفنية المبنية على قضايا وأحداث وعلى الفن التراجيدي والسردي وغيرهما.

أصداء الفكر

11. ماذا يعني لكِ أن تمثّلي لبنان في معرض يضم أعمالا لفنانين من عشرات الدول؟

زينب فرحات

جاء تمثيلي لبلدي لبنان في هذه المرحلة الدقيقة، وفي ظل هذه الأوضاع الأمنية الصعبة وعدم الاستقرار، فرصة كبيرة تحمل رسالتين مباشرتين.

الرسالة الأولى، من خلال عرض أعمالي، هي أن أقول للعالم إن لبنان، رغم كل الظروف الصعبة التي يمر بها، هو بلد الفن والجمال والحضارة. وأن الفنان اللبناني ليس فنانا عاديا؛ هو فنان استطاع أن يخلق ويبدع من قلب الأزمات والمعاناة.

لذلك أنا فخورة جدا بأن يكون فني اليوم موجودا إلى جانب أعمال فنانين من عشرات الدول، لأنني أريد أن يصل صوت الفن اللبناني إلى العالمية، وأن نسلّط الضوء أيضا على الفنانين اللبنانيين الذين خسروا أعمالهم بسبب الحروب والعدوان، لأن خسارة العمل الفني ليست خسارة لوحة فقط، بل خسارة جزء من ذاكرة الفنان وسنوات من حياته.

عمل فني في معرض دولي
أصداء الفكر

12. هل تشعرين أن مشاركتكِ اليوم تحمل أيضا صورة عن الجنوب اللبناني وسحمر، وليس عنكِ كفنانة فقط؟

زينب فرحات

أما الرسالة الثانية فهي عن تجربتي الشخصية. أنا فنانة من بيئة تعرّضت للقصف والدمار، وخسرت بيتي ومرسمي ومعظم أعمالي الفنية. واليوم، رغم كل ما خسرته، استطعت أن أعرض أعمالي في مهرجان دولي في روسيا.

بالنسبة إليّ، هذا الوصول ليس مجرد نجاح شخصي، بل هو دليل على الإصرار والمثابرة والمقاومة. أنا أريد من خلال فني أن أقول إن أبناء هذه الأرض لا يُمحون بسهولة، وأن تاريخهم وذاكرتهم وفنهم لا يجب أن يختفوا مع الدمار.

أريد أن يرى العالم من خلال لوحاتي الأرض التي أنتمي إليها، سحمر والجنوب والقرى التي تحمل تاريخنا وذاكرتنا، وأن يصل صوت أهل هذه الأرض إلى مكان بعيد مثل روسيا، بحضور العالم بأسره.

بالنسبة إليّ، أن تصل لوحتي من أرض تعرّضت للقصف إلى معرض عالمي هو بحد ذاته رسالة: قد يُدمَّر المكان، لكن لا يمكن أن تُمحى هويته، ولا أن يُسكت صوت فنه.
أصداء الفكر

13. برأيكِ، ما الذي يمكن أن يقوله الفن اللبناني للعالم اليوم؟

زينب فرحات

يمكن للفن اللبناني أن يقول للعالم إن لبنان، رغم كل الظروف الصعبة التي يمر بها، هو بلد الفن والجمال والحضارة، وإن الفنان اللبناني استطاع أن يخلق ويبدع من قلب الأزمات والمعاناة.

كما يمكن أن يسلّط الضوء على الفنانين اللبنانيين الذين خسروا أعمالهم بسبب الحروب والعدوان، لأن خسارة العمل الفني ليست خسارة لوحة فقط، بل خسارة جزء من ذاكرة الفنان وسنوات من حياته.

أصداء الفكر

14. هل واجهتِ صعوبات في طريقكِ كفنانة شابة؟ وما أصعب محطة اضطررتِ إلى تجاوزها؟

زينب فرحات

واجهت الكثير من الصعوبات. لم تكن حياتي وردية. لقد مررت بأصعب الظروف، من مرحلة مرض أبي بالسرطان إلى وفاته، والأوضاع المادية الصعبة التي مررنا بها كعائلة لم تكن لطيفة أبدا.

فكنت أعمل وأتعلم. واجهت معاناة أثناء الدراسة في شراء مواد التلوين الجيدة، واضطررت للاستعارة من أصدقائي والعمل بما توفّر لي من مواد بسيطة.

عشت أياما صعبة خلال دراستي في المدينة، وأنا ابنة ضيعة، كان كل شيء مختلفا، إلى جانب المواصلات الصعبة. وعندما انتهيت من الدراسة عام 2019، عدت إلى قريتي لتأسيس عمل لي، وجاءت المظاهرات والكورونا وانهيار العملة.

فبنيت محترفا وبدأت العمل، حتى جاءت حرب 2024 ودمرت ما بنيته وما عملته بشكل كامل من أعمال فنية طوال هذه السنوات. ثم عدت بعدها لبناء محترف جديد، وما إن بدأت العمل حتى أتت حرب 2026 وتضرر مكان عملي جزئيا.

وبعدها عدت إلى قريتي بعد التهجير الثاني، وعدت أرسم الطبيعة، وها أنا تلقيت خبر اختياري لهذا المعرض، فكان عوض الله جميلا عن كل ما مررت به.

أصعب محطة كانت التهجير والتدمير في حرب 2024. كان لها أثر سلبي كبير، عانيت من خلالها جمود يدي وقلبي في الرسم، وهذا ما جعل كبت المشاعر عندي يزداد وزاد حالتي سوءا حينها.

كانت مرحلة سيئة للغاية، لكن بعدها قُبلت للعمل كأستاذة جامعية بالجامعة الإسلامية بضيعتي أيضا، وهذا كان أيضا عوض الله الجميل.

أصداء الفكر

15. من هم الفنانون أو المدارس الفنية التي أثّرت في أسلوبكِ؟ وهل هناك فنان تتمنين أن يطّلع يوما على أعمالكِ؟

زينب فرحات

كنت أطّلع على تاريخ الفن وأعمال الفنانين من الناحية الثقافية، لكن كنت أتقصّد ألّا أتمعن في أعمال أي أحد منهم كي لا يؤثر ذلك في فني الخاص وما بداخلي من ناحية التقليد أو التأثر بأعمالهم.

فقد عمدت قصدا إلى قلة نظري لأعمال الفنانين حين دراستي، لحين أُكوّن نفسي وفني الخاص وأصل إلى ما بداخلي دون تأثر بأي عمل. وبعد ما وصلت إلى بصمتي الفنية الخاصة، صرت أتطلع إلى أعمال الفنانين وأسعد بأعمالهم.

أتمنى من كل فنان حقيقي قابلته بحياتي أن يرى فني. ليس هناك فنان محدد، أما الفنان المزيّف فلا أتمنى وجوده في معرضي ولا أن يرى أعمالي، فقد عانيت من استنساخ أعمالي من بعض المزيّفين.

أصداء الفكر

16. كيف تصفين أسلوبكِ الفني؟ وما المواضيع التي تجدين نفسكِ أكثر ميلا إلى تجسيدها على القماش؟

زينب فرحات

أسلوبي الفني حقيقي، قد منحه الله إياه منفردا. لا زلت لليوم في رحلة اكتشاف واسعة عما في داخلي، وهذه الرحلة طويلة.

فبكل عمل فني جديد أنجزه، أُصدم بما أملكه من كنز وضعه الله داخلي، وأنا أرسم بحب وإتقان: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه».

المواضيع التي أميل إلى إنجازها عادة مرتبطة بالمواضيع الإنسانية، وما نعيشه من مشاعر واضطرابات وأحداث وذكريات وقضايا وكبت مشاعر لا نستطيع البوح بها.

أصداء الفكر

17. ما الرسالة التي تتمنين أن تصل إلى من يقف أمام لوحاتكِ، حتى لو لم يعرف قصتكِ الشخصية؟

زينب فرحات

أهم ما أتمناه من المشاهد الذي يقف أمام لوحاتي التي تعبّر عن المعاناة والأرض المعرّضة للاحتلال، حتى لو كان في الجانب الآخر من العالم، بعيدا كل البعد عنا، أتمنى أن يقف إلى جانبنا بوجه هذا الاعتداء، وأن يساعدنا لنوصل صوتنا عاليا، وأن يكون له أثر في محاسبة الظالم معنا.

أصداء الفكر

18. بعد هذه المشاركة الدولية، إلى أين تتجه أحلام زينب فرحات؟ هل هناك معارض أو مشاريع فنية جديدة تطمحين إليها؟

زينب فرحات

إن أحلامي لا تتوقف، حتى لو أبطأتها ظروف الحرب والتهجير، لكن الاستمرارية هي الأساس.

أكيد هناك معارض فنية مستقبلية قادمة، وأنا أيضا من مؤسسي معرض جماعي فني «صالون الفن التشكيلي اللبناني». كنت قد أشرفت على كل تفاصيله في قصر الأونيسكو – بيروت عام 2022، ولكن بسبب الأوضاع الأمنية الصعبة التي مرت بها البلاد منذ عام 2023 إلى عامنا الحالي، لم أستطع العمل على تنظيم معرض فني فردي أو جماعي جديد.

لكن في الأيام المقبلة سأعمل على تحضير معرض جماعي جديد يحاكي الوضع اللبناني ومواجهة الاحتلال، إلى جانب استمراريتي في أعمالي الفنية من خلال العمل على مواضيع جديدة، كي أستطيع تنظيم معرض فردي خاص في المستقبل، نسبة لخسارة جميع أعمالي السابقة.

أصداء الفكر

19. ماذا تقولين لكل شاب أو شابة يمتلك موهبة فنية لكنه فقد الأمل بسبب الظروف الصعبة؟

زينب فرحات
أقول له إن الفن هو خلاصك. لا تجعل الظروف الصعبة تقنعك بأن موهبتك بلا قيمة.

أنا أؤمن أن الإنسان قد يخسر أشياء كثيرة، لكنه لا يجب أن يخسر إيمانه بقدرته على البدء من جديد.

تمسّك بموهبتك، حتى لو بدأت بخطوة صغيرة، لأن الطريق قد يكون طويلا وصعبا، لكن الاستمرار يصنع الفرق، وما يبدو اليوم مستحيلا قد يصبح غدا بداية أجمل مما توقعت.

أصداء الفكر

20. لو طلبنا منكِ أن تختصري رحلتكِ كلها، بين الفن والحرب والخسارة والعودة والنجاح، بجملة واحدة... ماذا تقول زينب فرحات؟

زينب فرحات

خسرتُ الكثير بسبب الحرب، لكنني لم أخسر فني ولا هويتي.

نهضتُ من بين الركام لأقول للعالم: نحن من نحب الحياة، ونرسم الحب طريقا للعابرين، لا للحرب والشر والاحتلال.

أنا لبنانية الهوى؛ وفني هو عرقي وتاريخي وذاكرتي.

عدتُ لأحوّل الخسارة إلى ذاكرة، والألم إلى فن، والحلم إلى نجاح، ولأثبت أن ما يُهدم حولنا يمكن أن نعيد بناءه من خلال الفن والحياة.

تعليقات