يتناول المقال فوز رشيد بنزين
بجائزة الحرية الداخلية عن رواية تستحضر غزة والذاكرة والكتب، بمشاركة أكثر من مئة
معتقل في اختيار العمل الفائز.
رشيد بنزين يحصد «الحرية الداخلية» عن رواية تجعل من الكتب ذاكرةً لغزة
الرواية المغربية ـ الفرنسية «الرجل الذي كان يقرأ الكتب» تتوج بالجائزة الأدبية الفرنسية في دورتها التاسعة، بعد مشاركة أكثر من مئة شخص معتقل في قراءة الأعمال المرشحة وإبداء الرأي فيها.
في لحظة تلتقي فيها الأدب بالذاكرة الإنسانية، حصد الكاتب والباحث المغربي رشيد بنزين جائزة كتاب الحرية الداخلية 2026 عن روايته «الرجل الذي كان يقرأ الكتب» الصادرة عن دار جوليارد، وذلك في الدورة التاسعة من الجائزة التي أُعلن عنها في باريس يوم 9 سبتمبر/أيلول الجاري.
وتكتسب الرواية المتوجة أهمية خاصة من عالمها السردي الذي يتشكل في غزة، حيث تلتقي شخصية مصور فرنسي شاب برجل فلسطيني مسن يملك مكتبة، وسط مدينة أنهكتها الحرب. ومن خلال هذا اللقاء، يفتح رشيد بنزين مساحة سردية واسعة على أسئلة الذاكرة والمنفى والفقد والالتزام السياسي والحياة العائلية، فيما تتحول الكتب إلى خيط يصل الإنسان بماضيه وهويته في مواجهة الخراب.
حين يصبح الكتاب مساحةً للنجاة
لا تقدم «الرجل الذي كان يقرأ الكتب» الكتاب بوصفه مجرد موضوع أدبي، بل تجعله جزءاً من التجربة الإنسانية نفسها. فحكاية بائع الكتب الفلسطيني، كما تقدمها الرواية، تتقاطع مع تاريخ طويل من الاقتلاع والسجن والأحلام والحب والأبناء وفقد الأحبة، بينما تأتي عناوين الكتب التي رافقت حياته بمثابة علامات على مسار ذاكرته الشخصية والجماعية.
وهنا تتقاطع الرواية بصورة لافتة مع فلسفة الجائزة نفسها؛ إذ يكرّم جائزة كتاب الحرية الداخلية أعمالاً أدبية وفكرية تفتح أسئلة حول الحرية والحوار والتسامح والقيم الروحية، وقد تأسست سنة 2018.
جائزة بصوت القراء خلف القضبان
لكن ما يمنح تتويج بنزين بعداً استثنائياً لا يرتبط بالرواية وحدها، بل بالطريقة التي تشكلت بها عملية الاختيار.
ففي دورة 2026، شارك أكثر من مئة شخص معتقل في نحو أربعين مؤسسة سجنية فرنسية في قراءة الأعمال المرشحة وإبداء آرائهم فيها، إلى جانب أعضاء لجنة التحكيم. وبذلك أصبح القراء الذين يعيشون تجربة الحرمان من الحرية جزءاً من جائزة تحمل أصلاً اسم «الحرية الداخلية».
وتشير الجهة المنظمة إلى أن هذه المشاركة تتيح لأشخاص لا يحظون عادة بحضور واسع في المجال الثقافي أن يستعيدوا موقعهم بوصفهم قراء ومواطنين، وأن تصل الثقافة إليهم بوصفها جسراً مع العالم الخارجي.
وهذه الخصوصية تجعل الجائزة، في جانب منها، تتجاوز فكرة التتويج الأدبي التقليدي؛ فهي لا تحتفي بالكتاب بوصفه نصاً ناجحاً فحسب، وإنما تختبر أيضاً قدرته على الوصول إلى قارئ يعيش خلف الجدران، حيث تصبح الحرية الداخلية سؤالاً يومياً ووجودياً.
رواية من غزة إلى المشهد الأدبي الفرنسي
صدرت «الرجل الذي كان يقرأ الكتب» عن دار جوليارد في أغسطس/آب 2025، وتقع في 128 صفحة، قبل صدور طبعة الجيب منها في يونيو/حزيران 2026. وكانت الرواية قد وصلت أيضاً إلى القائمة النهائية لجائزة بائعي الكتب في فرنسا، في مؤشر على حضورها اللافت في المشهد الأدبي الفرنسي خلال العام الجاري.
وكان بنزين قد اشتغل في أعماله السابقة على موضوعات الذاكرة والاقتلاع والحوار بين الثقافات والأديان، ومن أبرز رواياته «هكذا تحدثت أمي» و«رحلة إلى نهاية الطفولة» و«صمت الآباء». كما يجمع في تجربته بين البحث في الدراسات الإسلامية والكتابة الروائية والمسرحية.
وفي روايته الجديدة، يبدو الكتاب نفسه وكأنه الشخصية التي لا تغيب: كتابٌ يحفظ ما يتهدد النسيان، ويمنح الذاكرة فرصة لمقاومة المحو، ويعيد للإنسان مساحة من صوته حين تتداعى الأمكنة من حوله.
ولعل أهمية التتويج لا تكمن فقط في أن كاتباً مغربياً حصد جائزة أدبية فرنسية، وإنما في أن الرواية التي اختيرت لهذا التتويج تنطلق من غزة لتطرح سؤالاً يتجاوز الجغرافيا والسياسة: ماذا يستطيع الأدب أن يحفظ للإنسان عندما يصبح كل شيء آخر عرضةً للفقد؟
إنها، في نهاية المطاف، فكرة تضع الكتاب في موقع يتجاوز الترف الثقافي؛ بوصفه ذاكرةً، وشهادةً، ووسيلةً لحماية ما تبقى من إنسانية الإنسان.
