📁 تدوينات جديدة

التراث والإبداع: جدلية المنطلقات والتوظيف | طارق العمراوي

التراث والإبداع: جدلية المنطلقات والتوظيف | طارق العمراوي 

طارق العمراوي | تونس

قبل البدء

يعد التراث ما خلفته الأمم الفارطة والحضارات الغابرة على اليابسة والمحيط، في قمم الجبال وتحت الأرض، كمقابر ومدافن كبار القوم وكهنتهم والوزراء والملوك، وعلى الأرض وفوقها كمعابد وكنائس ودور عبادة ومجالس حكم وقصور وأسواق وساحات عمومية، تلخص تفاعل قوم مع محيطهم الطبيعي والسياسي والثقافي، وما بقاء المسارح الرومانية واليونانية إلا نقطة ضوء تنير ما كان فوق ركحها من عروض بهلوانية أو مسرحيات.

لكن ضاع معظمها نتيجة الحروب والفتن والمؤامرات وتدمير القلاع والقصور، وما بقي منها سوى القليل الذي صمد رغم الفعل البشري التدميري والطبيعي، كالفيضانات والزلازل وغيرها.

برغم كل هذا، احتفظت لنا البشرية بآلاف الرقم الطينية والبرديات المصرية ونقوش المعابد والألواح الرخامية ولحود الموتى والمسكوكات، لتساعدنا في فهم الماضي السحيق لمن أثثوا المشهد الحضاري في تلك الأزمنة.

المنطلقات: المادة والمشهد

ها هي تونس الخضراء، يتوزع تراثها المادي كالمعابد والمسارح والحمامات والقصور ولحود الموتى والتماثيل الحجرية والرخامية والطينية والمسكوكات الذهبية وغيرها من المواد، والفخاريات والأثاث الجنائزي، والتي توزعت بين المعالم والمواقع الأثرية أو المعروض منها في المتاحف أو بمؤسسات الصيانة والترميم، وعديد المخطوطات الموجودة بمراكز حفظ المخطوطات وعرضها، والتراث اللامادي الذي انتبهت إليه مؤسسات البحث العلمي بالجامعات أو بالدوائر العلمية للمعهد الوطني للتراث، والمتمثل في الأحجيات والأمثال الشعبية والحكايات القديمة، قصد حفظها ثم دراستها أنثروبولوجيا أو سوسيولوجيا، إذ الأكيد ستقدم مئات المعلومات عن تلك الأجيال في تفاعلهم مع المحيط المادي والديني والاجتماعي الثقافي وحتى السياسي.

إن التراث بوجهيه، المادي واللامادي، يمثل وحدة مضمونية وحضارية توجب فهمه وحمايته والمحافظة عليه، كي ندشن بعد ذلك مرحلة التوظيف.

فهذه المادة المرئية والمسموعة هي المشهد الذي سيشتغل عليه الباحث أولًا، لفك الرموز والطلاسم وإيجاد خيط رفيع يربط الماضي السحيق بحاضرنا الآن، كي ننطلق بهما إلى المستقبل القريب والبعيد.

ثم يأتي المشهد على طبق ذهبي للفنان التشكيلي وكاتب قصص الأطفال وللروائيين وللمسرحيين، للنهل من هذا الكم المعلوماتي والمعرفي والمشهدي المرئي، كبقايا المعابد والمقابر والمدافن، أو اللامادي كحكايات الجدات والأمثال والأحجيات وغيرهم، بعد عديد الأعمال البحثية والتي كانت مجالًا لمعاول الباحثين الأركيولوجيين وعلماء الاجتماع واللغة وعلم النفس وغيرهم.

فهذه الجدلية القائمة الآن بين المادة والمشهد كمنطلقين، يرى من خلالهما الباحث ماضي الأمم ومن سبقونا على هذه الأرض، ويرى غيره ضرورة استثمار كل هذا الإرث الأثري والحضاري بطريقته، لتكتمل أبهى صورة. الباحث يحدد المراحل التاريخية بمضامينها الحضارية، ويتخذ غيره أماكن وزوايا أخرى للنظر والفهم، من أجل إثراء المشهد الحضاري السابق والمشهد الثقافي الحالي واليومي، كل هذا لخدمة أبناء تونس وتنوعهم وميولاتهم الثقافية والفنية.

فالعديد منهم يريد زيارة المتاحف والمواقع والمعالم الأثرية، يجد فيها متنفسًا له ولغيره في الاستمتاع والاستماع إلى أمثال القدامى وأحجيات الجيل الذي سبقنا. ومن هنا يتحمل الفنانون بمختلف مشاربهم الفنية والمدرسية مسؤولية تقديم مادة مضمونية وفنية وإبداعية لجزء هام من شعبنا الميال للفنون بمختلف تخصصاتها، المقروءة منها كالقصص والروايات، أو المسموعة على المسارح الرومانية في المهرجانات أو بالمسارح الداخلية بدور الثقافة، أو التي تمتع العين والإحساس كلوحات الفنانين التشكيليين أو العاملين على محامل أخرى.

التوظيف: مادته وغاياته

يمثل تراث الأمم والحضارات والأجيال التي سبقتنا مادة ثرية، مادة صلصالية بإمكاننا تشكيلها، وبإمكاننا تطويعها، وبإمكاننا أن ننتج منها وبها العديد من المشاريع القولية والسمعية والفنية التشكيلية، شريطة فهمها عبر الاطلاع الجيد والمستفيض عنها من المنابع الصحيحة للمعلومة، لا أن نقدم معلومات خاطئة ومغلوطة عندما نتحدث عن فترة القرطاجيين أو الرومان أو العرب القادمين من بعيد.

فهذه المادة ملك الأجيال القديمة والحالية والقادمة. هي نصوص تراكم تفاعل الإنسان مع هذه الأرض الطيبة. هذه المادة وقع توظيفها واستغلال مضامينها منذ سنوات. أولًا، كانت الشخصيات التاريخية تؤمن مضامين عشرات القصص الموجهة للطفولة والناشئة واليافعين، أو الروايات، أو نصوص مسرحية مثل حنبعل وعليسة والمعز لدين الله الفاطمي وخير الدين التونسي وفرحات حشاد وغيرهم.

وكانت القلاع والحصون كذلك مسرحًا لعديد النصوص المكتوبة، ومع القصور والمدافن والمعابد كانت حكايات الروائيين وكتاب القصة الموجهة للطفل، ومن هذه النصوص المسرحية التي اشتغلت على الشخصيات التاريخية مثل «مراد الثالث» للحبيب بولعراس، ومسرحية «ثورة صاحب الحمار» للكاتب المسرحي عز الدين المدني.

أما قصص الأطفال، فلقد رأى أصحابها أن تونس بها مخزون من رجالات الفكر والسيف والسياسة، كسلسلة «رجال صنعوا التاريخ» للكاتبة سناء البكوش، ومن بين الشخصيات اشتغلت على إبراز مناقب عبد العزيز الثعالبي وأحمد بن أبي الضياف وأبو القاسم الشابي وابن خلدون، كما كتب علي الحوسي عن المعز لدين الله الفاطمي، والعديد من الكتاب كتبوا حول حنبعل وعليسة ويوغرطة وعقبة بن نافع.

كما حضرت المعالم والمواقع والشخصيات، كان لعالم فنون القول والتراث اللامادي حضوره، كمادة اشتغل عليها العديد من كتاب القصة الموجهة للطفل. فقد قيلت الحكايات وتمت إعادة كتابتها بلغة ساحرة، مع مضمونها الساحر والشيق، وكانت حكايات الغولة وأمك طنبو وبوسعدية وغيرها من الحكايات في طبعات جديدة يقبل عليها الأطفال لطابعها الغرائبي والعجائبي.

أما الطبقة الثالثة، والتي تفاعلت مع هذه الثروة التاريخية والأثرية، فهم رسامو أسواق مدينة تونس العتيقة، والمرأة بأزيائها الجميلة، وصوامع وأسوار المدن ومدارجها ومسارحها والمعابد والألواح الحجرية والتماثيل الرخامية، وهي تعد بالمئات.

وما زالت ورشات الرسم والنحت تغري الكبار والصغار لرسم الحمامات الرومانية أو المسارح القديمة، أو نحت فينوس آلهة الجمال وغيرها من الآلهة.

أما الغايات التي يجب أن نشتغل عليها وأن تكون واضحة المعالم والطرح، فأولها الاعتزاز بماضينا في كليته دون تجزئته أو محو جزء منه، ثم إخراج المنير المستنير بقصد التأثير في الأجيال الآن والقادمة.

فالحديث مثلًا عن حنبعل أو عقبة بن نافع أو فرحات حشاد، فأنت تشحذ الهمم كي نقوم بتحضير طفل اليوم للذود عن بلده وحرمته عبر تشرب مبادئ حب الوطن والدفاع عنه.

وعند رؤية المعالم والمواقع الأثرية أو بقايا الأثاريات والموزعة على عشرات المتاحف، فنحن نقدم لهذه الأجيال درس العمل والتشييد، وكيف بنى القدامى حضارتهم وتمدنهم. وبالعمل الجاد وبالعلوم والمعارف، بنيت القلاع والحصون والمدافن الشهيرة والجسور والمعابد والقصور ودور الحكمة والمعارف، مع احترام عقائد ومذاهب من سبقونا، وأن نقدر ماضيهم، فذلك مستوى تدينهم أو مجال حكمهم، إما بالتسلط أو بالحكمة والمشهورة.

فهم في الأخير جزء من تاريخنا الذي راكموه بما مدتهم لهم الكتب والمخطوطات القديمة، وما أضافوا عليها من تجاربهم وإنجازاتهم، مذكرين تفوق البعض منهم في عدة علوم ومتون، كالعلامة ابن خلدون وأحمد بن أبي الضياف، أو إسهامات العلماء مثل الطبيب القيرواني أحمد بن الجزار وغيرهم.

وهذه المنارات العلمية قام الفنانون التشكيليون والنحاتون الأوائل برسم هذه الرموز التاريخية، والآخرون قاموا بنحت العديد منهم، كابن خلدون والطاهر الحداد وغيرهم.

ختامًا

تمثل آثار تونس وتراثها مخزونًا اشتغل عليه المبدعون والباحثون، كل من وجهة نظره وبمعاوله المعرفية والإبداعية. فبعد التعرف على أهم حقب تاريخ هذا الوطن ومن ساهم في تشييده، عبر حفر ذاكرته العسكرية أو المدنية أو العلمية، جاء الكتاب والمبدعون، وكان أمامهم حقل خصب لاستثماره والنهل من ثماره، عبر قراءات أرجعت وأحيت كل من ساهم في بناء هذه الأرض وإعمارها بالبناء والتشييد والمعارف والعلوم، ليواصل هذا الجيل ما بدأه القدامى، بعد أن يتشربوا من مآثر القدامى وما أنجزوه.

وهذا آخر مقاصد وغايات النهل من هذا التراث العريق، الذي ما فتئت البحوث الأثرية تقدمه يوميًا، وهي تدرس وتنقب في المدن الأثرية، لتوفر مادة للدرس والبحث الأركيولوجي أولًا، ثم مخزونًا سيعمل على استثماره المبدعون بمختلف تخصصاتهم وفنونهم القولية والمسموعة والبصرية.

تعليقات