سوسة – 30 أوت 2026
ثلاثة أيام كانت كافية لتؤكد سوسة مرة أخرى أن الثقافة لا تحتاج دائمًا
إلى قاعات مغلقة حتى تصنع أثرًا، وأن الصورة حين تحمل رسالة حقيقية يمكن أن تتحول
من مجرد محتوى عابر إلى وسيلة للتفكير والتوعية وصناعة الوعي.
من 28 إلى 30 أوت، احتضنت سوسة فعاليات الدورة السادسة من المهرجان
الدولي للفيديوهات التوعوية FIVS، في دورة اختارت أن تضع نفسها أمام أحد أكبر أسئلة اللحظة: كيف
يمكن أن تتعايش الموهبة الإنسانية مع الذكاء الاصطناعي دون أن تفقد الصورة روحها
ورسالتها؟
ومنذ البداية، كان واضحًا أن الدورة السادسة لا تريد أن تكون مجرد تكرار
لما سبقها.
فمن بين 214 عملا تم استقبالها، اختارت إدارة المهرجان 110 أفلام
للمنافسة، تمثل 12 دولة، توزعت بين 64 فيلمًا في مسابقة الإبداع البشري و46 فيلمًا
في مسابقة الذكاء الاصطناعي.
من مداولات اللجان إلى فضاء المدينة
حمل اليوم الأول طابعًا دوليًا مع استقبال الوفود وانطلاق مداولات لجنة
التحكيم التي على رأسها الممثل القدير صلاح الدين مصدق، والممثل القدير صالح جدي،
والمخرج الشاب نصر الدين رقم السندريلا، وسارة علامة، والممثل الليبي رمضان
المزداوي، في محطة أساسية لتقييم الأعمال المشاركة.
أما اليوم الثاني، فكان يومًا تكوينيًا بامتياز، من خلال ورشات في فن
الأداء والتمثيل مع الممثل القدير صابر الوسلاتي، وصناعة المحتوى الإيجابي مع ثلة
من المؤثرين وصناع المحتوى سفيان عمروسية وعلاء الدين الخنيسي، وصناعة الأفلام
بمساعدة الذكاء الاصطناعي مع المخرج الشاب محمد الطاهر قرايرية.
ولم يكن اختيار هذه المحاور اعتباطيًا؛ فالمهرجان، الذي يقوده مؤسسه وليد
بن حسن، ورئيسه أيمن دريرة، ينطلق من رؤية تعتبر أن الفيديو لم يعد مجرد وسيلة
للاتصال، وإنما أصبح أداة قادرة على التأثير في السلوك وبناء الوعي.
واللافت في الدورة السادسة أن المهرجان لم يكتفِ بالحديث عن الذكاء
الاصطناعي، بل وضعه داخل المنافسة نفسها، من خلال مسابقة مستقلة للأعمال المنجزة
بمساعدته، إلى جانب مسابقة الإبداع البشري.
وهنا تكمن إحدى أهم نقاط قوة الدورة:
الذكاء الاصطناعي لم يُطرح باعتباره بديلا عن الإنسان، وإنما
كسؤال جديد أمام المبدع.
الجمهور… من متفرج إلى شريك
من بين خصوصيات هذه الدورة أيضًا منح الجمهور مساحة للمشاركة من خلال
جائزة الجمهور.
وهو خيار ينسجم مع طبيعة الفيديو التوعوي، الذي لا تكتمل قيمته داخل قاعة
لجنة التحكيم، وإنما عندما يصل إلى المشاهد ويترك لديه فكرة أو سؤالًا أو رغبة في
تغيير شيء ما.
لحظة التتويج… والفرحة التي لم تكن واحدة
لكن لحظة إعلان النتائج والتتويج في المسابقتين لم تمرّ دون جدل.
فبين فرحة الفائزين وخيبة عدد من المشاركين والمتابعين، برز نقاش واضح
حول اختيارات لجنة التحكيم، ووصلت ردود الفعل لدى البعض إلى التشكيك في مدى توافق
النتائج مع المستوى الفني لبعض الأعمال.
وقد رأى بعض المتابعين أن أعمالًا كانت، من وجهة نظرهم، تستحق المرتبة
الأولى، لكنها جاءت في المرتبتين الثانية أو الثالثة، بينما ذهبت الصدارة إلى
أعمال أخرى.
وهنا لا بد من تسجيل النقد، لا بهدف التشكيك في نزاهة اللجنة أو التقليل
من قيمة عملها، وإنما دفاعًا عن حق المشارك والمتلقي في فهم القرار الفني.
فإذا كان لكل لجنة تحكيم منظورها ومعاييرها، فإن مزيدًا من الشفافية في
المستقبل قد يكون مكسبًا للمهرجان نفسه، من خلال توضيح معايير التقييم، وربما نشر
شبكة التنقيط أو تقديم تفسير موجز للخيارات النهائية.
لأن لجنة التحكيم ليست مطالبة فقط بأن تكون نزيهة، بل بأن تجعل نزاهتها
مفهومة ومرئية أيضًا.
والنقد هنا لا ينبغي أن يُنظر إليه كتهديد للمهرجان؛ فالمهرجان القوي هو
الذي يستطيع أن يسمع النقد ويستفيد منه.
وفي دورة سادسة لمهرجان يطمح إلى ترسيخ حضوره دوليًا، ربما لم يعد كافيًا
أن نقول: «هذه هي النتائج»، بل أصبح من المشروع أن نسأل:
"لماذا
كانت هذه هي النتائج؟"
إنها ملاحظة نقدية، لكنها في جوهرها دعوة إلى مزيد من الشفافية، حتى تبقى
قيمة التتويج موازية لقيمة الأعمال التي وصلت إلى منصة المنافسة.
ثلاثة أيام… لكن السؤال أكبر من المهرجان
بعيدًا عن الأضواء والجوائز، هناك أمر آخر يستحق التوقف عنده.
FIVS وصل
إلى دورته السادسة.
ست دورات تعني أن الفكرة لم تكن عابرة، وأن المهرجان استطاع الحفاظ على
وجوده وتوسيع دائرة المشاركين والمواضيع، وصولًا اليوم إلى نقاش الذكاء الاصطناعي
والإبداع الرقمي.
لكن هل واكب الدعم هذا التطور؟
هل مهرجان يستقبل أكثر من مئتي عمل من مختلف أنحاء العالم، ويختار منها
110 أفلام للمنافسة، ويستضيف لجان تحكيم وورشات تكوين وضيوفًا من بلدان مختلفة،
ويضع سوسة في قلب نقاش عالمي حول الصورة والوعي والذكاء الاصطناعي، يستحق أن يبقى
رهين المبادرات الفردية والإمكانيات المحدودة؟
وهل آن الأوان لأن تنظر المؤسسات العمومية والقطاع الخاص إلى مثل هذه
التظاهرات باعتبارها استثمارًا في الثقافة وفي الإنسان، وليس مجرد إنفاق على حدث
عابر؟
بل أكثر من ذلك…
هل يوجد اليوم رجل أعمال تونسي يقول: أريد أن أضع جزءًا من إمكانياتي في
مشروع ثقافي وتوعوي، لا بحثًا عن الربح السريع، وإنما حتى أزرع بذرة خير وإبداع
ووعي في بلادي؟
ربما يكون هذا هو السؤال الحقيقي الذي يجب أن يبقى بعد انتهاء آخر عرض
وانطفاء آخر ضوء في ساحة بوجعفر.
لأن المهرجانات تنتهي…
أما الأفكار التي تتركها في الناس، فقد تبدأ منها الحكاية.
تقرير: أميرة فهري
تصوير: Rami Moharrar
تغطية خاصة للدورة السادسة من المهرجان الدولي
للفيديوهات التوعوية








