📁 تدوينات جديدة

أصداء الفكر: مساحة للكلمة... ومسار للفكرة | ميساء قدوح

أصداء الفكر: مساحة للكلمة... ومسار للفكرة | ميساء قدوح
 ميساء قدوح | لبنان

تتعدد فيه المنصات التي تتحدث عن الثقافة والفكر، لكن تظل المشكلة الحقيقية في إيجاد فضاءات تمنح الكلمة فرصة لأن تُناقش، وأن تصل إلى قارئها، وأن تتحول من مجرد تعبير عابر إلى فكرة قابلة للتفاعل والتطور. ومن هذه الزاوية تحديدا أجد أن تجربتي مع «أصداء الفكر» تستحق التوقف عندها.

لم تكن هذه التجربة بالنسبة إليّ مناسبة ثقافية عابرة أو إضافة إلى رصيد من المشاركات، بل أتاحت لي فرصة لإعادة التفكير في معنى الكتابة، وفي مسؤولية صاحب الكلمة، وفي أهمية وجود فضاء ثقافي لا يفرض على الكاتب ما ينبغي أن يقول، وإنما يساعده على اكتشاف ما يريد قوله وكيف يمكن أن يقوله.

ربما تكون هذه هي القيمة الأولى التي لمستها في «أصداء الفكر»: أنها تتعامل مع الفكر باعتباره فعلا مفتوحا، لا مادة جاهزة للتلقين. فالكتابة، في تقديري، لا تبدأ حين نمسك بالقلم، وإنما تبدأ قبل ذلك بكثير؛ حين نطرح السؤال، ونراجع موقفنا، ونحاول أن نفهم ما نراه بدل أن نكتفي بتكرار ما قيل.

ومن هنا أصبحت الثقافة، بالنسبة إليّ، مرتبطة بالأسئلة أكثر من ارتباطها بتراكم المعلومات. قد تنتهي قراءة نص أو حضور لقاء، لكن السؤال الذي يتركه في الذهن يمكن أن يستمر طويلا. وربما تكون هذه القدرة على إثارة السؤال واحدة من أهم الوظائف التي يمكن أن تؤديها أي تجربة ثقافية جادة.

غير أن الحديث عن أي مشروع فكري يقود بالضرورة إلى الحديث عن الأشخاص الذين يقفون وراءه. فالمؤسسات والمبادرات لا تصنع نفسها، والأفكار تحتاج إلى من يمنحها الوقت والجهد والإصرار حتى تجد طريقها إلى الناس.

وفي هذا السياق، يحضر الأستاذ حسن امحيل بوصفه أحد العناصر الأساسية في تجربة "أصداء الفكر".

لا أجد في عبارة «مدير ناجح» ما يكفي لوصف ما لمسته من تجربتي معه، لأن الإدارة في المشاريع الثقافية ليست مجرد تنظيم للأنشطة أو متابعة للتفاصيل. هناك جانب آخر أكثر أهمية يتعلق بوضوح الرؤية والإيمان بالمشروع والقدرة على الاستمرار في خدمته حتى عندما لا تكون النتائج فورية أو واضحة. وهذا تحديدا ما لفتني في الأستاذ حسن امحيل. فقد بدا لي، من خلال التعامل معه، أن علاقته بالمشروع تتجاوز إدارته اليومية إلى الإيمان بالفكرة التي يقوم عليها. وهذا فارق مهم؛ لأن إدارة مؤسسة أو مبادرة قد تضمن استمرارها، لكن الإيمان برسالتها هو ما يمنحها القدرة على بناء حضور حقيقي.

كما أن حضوره لا يقوم، فيما لمسته، على الاستعراض أو كثرة الحديث عن المشروع بقدر ما يقوم على العمل من أجله. وهذه سمة لها أهميتها في المجال الثقافي، حيث يمكن للصورة أحيانا أن تطغى على المضمون، ويمكن للمشروع أن ينشغل بتقديم نفسه أكثر مما ينشغل بما يتركه لدى الآخرين. لذلك أجد أن السؤال الأهم ليس: كيف تبدو «أصداء الفكر»؟ وإنما: ماذا تترك؟

والإجابة عن هذا السؤال لا تُقاس بعدد المنشورات أو الأنشطة وحدها، بل بما يحدث للأشخاص الذين يمرون عبر هذا الفضاء. قد تكون النتيجة فكرة نضجت، أو نصا كُتب، أو كاتبا وجد من يقرأه، أو شخصا اكتشف أن لديه ما يستحق أن يُقال. وهذه نتائج لا تظهر دائما في الأرقام، لكنها في العمل الثقافي ربما تكون الأكثر أهمية.

من هذه الزاوية، وجدت أن «أصداء الفكر» تتيح علاقة مختلفة مع المعرفة. فالإنسان لا يبقى فيها مجرد متلقٍّ، وإنما يمكن أن يصبح مشاركا في إنتاج النقاش نفسه. وهذا أمر أراه ضروريا في أي مشروع يريد أن يكون ثقافيا بالفعل، لأن الثقافة لا تزدهر حين تُعامل باعتبارها مادة تُقدَّم للجمهور فقط، بل حين يصبح الجمهور جزءا من حركتها.

وتزداد أهمية هذه المسألة في السياق اللبناني، حيث يمتلك البلد تاريخا طويلا مع الكتابة والفكر والصحافة والفنون، ويضم طاقات ثقافية وفكرية كبيرة، لكن هذه الطاقات تحتاج باستمرار إلى مساحات تستقبلها وتتيح لها أن تتفاعل مع غيرها. فالمشكلة ليست دائما في غياب الموهبة، وإنما في محدودية الفرص التي تسمح لهذه الموهبة بأن تظهر وتستمر.

ومن هنا يمكن فهم أهمية المبادرات التي تختار أن تمنح الكلمة مساحة فعلية، بعيدا عن التعامل معها باعتبارها مجرد عنوان ثقافي. فالمشروع الثقافي الحقيقي لا يكتفي بالقول إن الثقافة مهمة، بل يترجم هذا الإيمان إلى ممارسة: يفتح المجال، يستمع، يناقش، ويمنح أصحاب الأفكار فرصة لأن يكونوا جزءا من المشهد. وهذا ما جعل تجربتي مع «أصداء الفكر» مختلفة بالنسبة إليّ.

القيمة الحقيقية لأي مسؤول عن مشروع ثقافي لا تكمن في حجم حضوره الشخصي، بل في قدرته على جعل المشروع يتقدم، وعلى منح الآخرين فرصة ليظهروا من خلاله. وإذا كان هناك كاتب يشعر أن نصه وجد قارئا، أو مشارك يشعر أن صوته كان موضع اهتمام، أو إنسان خرج من تجربة ثقافية وهو يحمل سؤالا جديدا، فإن ذلك يمثل، في حد ذاته، جزءا من نجاح المشروع.

لهذا لا أرى «أصداء الفكر» مجرد اسم مرّ في تجربتي، وإنما أراها تجربة جعلتني أكثر انتباها إلى الدور الذي يمكن أن تؤديه المساحات الثقافية في حياة الكتاب والمثقفين والقراء. وهي تذكّر بأن الحاجة إلى الثقافة لا تعني فقط الحاجة إلى مزيد من النصوص والفعاليات، بل إلى بيئات تساعد على الحوار، وعلى الاختلاف، وعلى بناء الأفكار بدل استهلاكها.

ولعل عنوان «أصداء الفكر» يحمل هنا دلالة تتجاوز الاسم نفسه. فالصدى، في معناه المعتاد، يأتي بعد الصوت؛ لكنه في هذه التجربة يمكن أن يُفهم بطريقة أخرى: أن يكون الصدى بداية لصوت جديد، وأن تقود الفكرة إلى فكرة أخرى، وأن يفتح النقاش بابا لسؤال لم يكن مطروحا من قبل. وهذا، في النهاية، ما يجعل التجربة الثقافية جديرة بالكتابة عنها. ليس لأنها خالية من النقص، وإنما لأنها تؤكد أن وجود مساحة تؤمن بالكلمة يمكن أن يصنع فرقا في تجربة الإنسان معها. وقد يكون هذا الفرق بسيطا في بدايته، لكنه قابل لأن يتوسع مع الوقت.

خرجت من تجربتي مع «أصداء الفكر» وأنا لا أحمل فقط ذكرى نشاط أو لقاء أو محطة ثقافية، وإنما أحمل قناعة أصبحت أكثر وضوحا لديّ: أن الفكرة تحتاج إلى مساحة حتى تنمو، وأن الصوت يحتاج إلى من يصغي إليه حتى يجد طريقه، وأن المشاريع الثقافية تكتسب قيمتها الحقيقية حين تنجح في تحويل هذا الإصغاء إلى أثر. وهنا تحديدا يصبح الصدى أكثر من مجرد ترديد للصوت، يصبح بداية له.


تعليقات