📁 تدوينات جديدة

شذرات الكاتبة الأردنية حنان سلامة

شذرات الكاتبة الأردنية حنان سلامة

 حنان سلامة | الأردن

خارج النص

في الأمس اجتمعنا في لقاءٍ ثقافي يَعِد بالكثير من النقاشات العميقة عن الأدب والإبداع، جلست السيّداتُ يتبادلن أطراف الحديث عن الشعر واللغة والخيال والفن، حتى بدا الصالون كأنه منبرٌ للفكر ومنارة للثقافة، لكن، ما إن انسحب السيّد المسؤول المنظِّم للقاء خارجًا للرد على بعض المكالمات، حتى تسللت همسات أخرى بين الحاضرات شرخت أصل الحوار، لم تكن عن نزار قباني أو غسّان كنفاني وأحمد مطر، بل عن آخر صيحات الموضة وقصّات الشعر، ودرجات أحمر الشفاه!

ابتسمت وأنا أتابع الحوار الدخيل دون استئذان، وضحكت في داخلي أكثر... فالصالون الأدبي تحوّل بلمح البصر إلى صالون حلاقة وتجميل! الكلمة صارت خصلة شعر، والقصيدة تدرّج ألوان ظلال العيون، والجدل الثقافي انقلب إلى مقارنة بين الهايلايتر و"الكونتور".

لكن لم يدم تأملي طويلًا حتى أدركت أن الأمر ليس مفارقة كبيرة كما بدا لي في البداية، بل وجدت به تكاملا خفيا من الإجحاف أن لا نستشعره، فكما تحتاج القصيدة إلى ذائقة وحسّ مرهف، تحتاج تسريحة الشعر أيضًا إلى عين خبيرة وذوق خاص. وكما تحتاج اللوحة الفنية إلى خفة يد وذكاء لإبراز معالم الخصوصية والجمال، يحتاج وضع الكنتور على الوجه ذلك أيضًا، وكما أن الكلمة زينة العقل، فإن المكياج زينة الوجه.

فنحن النساء قادرات على الجمع بين العمق والمرح، بين الفكر والزينة، بين القلم والمرآة...

وما أجمل أن يلتقي الاثنان في صالون واحد.

عشق باللبن

ذات يوم نشرتُ في يومياتي صورةً لطبق الغداء: كوسا باللبن، يلمع بياضه في الصحن كأنه صفحة من ثلج تتوسّطها خضرة زاهية. وما إن مرّت لحظات حتى باغتني صديقٌ عراقي بتعليقه مازحًا: «ما اسم هذه الطبخة؟» فأجبته بهدوء: «إنها كوسا باللبن». فانفجر ساخرًا وهو يقول: «أهلكتمونا يا أهل الشام! كل شيء عندكم باللبن: الكوسا لبن، الكبة لبن، اللحمة لبن، أما عندكم غيره؟!»

فابتسمتُ وقلتُ له مازحةً، في شيء من التهكّم: «يا صاحبي، لسنا نحن من وضع اللبن على الطعام، بل هو الذي أحبّنا ولازمنا حيثما كنّا. إنه يتسلّل إلى موائدنا كما يتسلّل الضوء إلى الغرفة، يرافق الكوسا تارةً، والكبة أخرى، ويطلّ علينا في الشاكرية كأنه أمير متوَّج. صدقني، نحن ضحايا لا جناة... اللبن هو الذي اختارنا لا نحن».

إنها علاقة عشق متبادل؛ هو لا يستطيع فراقنا، ونحن لا نحسن العيش من دونه. ولولا بعض الحياء لرأيته يومًا يطلّ حتى في فنجان الشاي.

وهنا ضحك صديقي العراقي وأجابني بدعابته المعتادة: «إي والله... شكلكم مخطوبين رسمي للبن، بس باقي تعملوا عرس وتوزعوا كاسات لبن بدل العصير!»

فرفعتُ الملعقة كأنها كأس نخب، وقلتُ ساخرةً: «لا تستبعد أن يحدث ذاك يا صاحبي، طالما أن أرض الشام، وتحديدًا فلسطين، لُقِّبت منذ الأزل بأرض العسل واللبن.»

تعليقات