📁 تدوينات جديدة

عندما يلتقي المتدين والمتحرر عند نقطة «الردع» | سهيلة أيت لحسن

عندما يلتقي المتدين والمتحرر عند نقطة «الردع» | سهيلة أيت لحسن
 

سهيلة أيت لحسن | المغرب

دائما ما كنا نعتقد أن العنف الرقمي الموجَّه ضد النساء تقف خلفه حصرا العقليات المتحجرة والمنغلقة التي تبرر التنمر والسب باسم الدين والأخلاق، وترى في المرأة «عورة» ينبغي تكميم صوتها وحجب حضورها. لكن المفارقة الصادمة أننا صرنا نشهد شكلا آخر من العنف، يمارسه أشخاص يرفعون شعارات الحرية، ويدافعون عن حقوق المرأة، ويؤكدون علانية أن «المرأة ليست عورة»، وأن من حقها أن تتمتع بحريتها الكاملة في اللباس والفكر والتعبير.

فأين يكمن الفخ؟

المفارقة المؤلمة أن بعض من يقدمون أنفسهم باعتبارهم «حداثيين» أو «متحررين» قد يمارسون، في لحظات الاختلاف، السلوك نفسه الذي ينتقدونه لدى الطرف الآخر، وإن اختلفت اللغة والشعارات. فحين تتبنى المرأة رأيا سياسيا أو فكريا، أو تختار نمط حياة لا ينسجم مع تصوراتهم، قد يتحول الدفاع عن حريتها إلى محاولة لإخضاعها لنموذج محدد من «التحرر» الذي يرونه مناسبا لها.

وهنا تظهر مفارقة تستحق التأمل: هل تكون حرية المرأة مقبولة فقط عندما تتطابق اختياراتها مع تصوراتنا عنها؟

قد يبدأ الأمر باختلاف في الرأي، ثم يتحول سريعا إلى هجوم شخصي، وقذف، وتنمر، وتشكيك في النوايا، واستخدام مفردات حاطة من الكرامة. وفي هذه الحالة لا يعود الخلاف حول الفكرة، بل يصبح استهدافا للشخص نفسه. وقد يختلف المبرر باختلاف المرجعية: أحدهم يهاجم المرأة لأنها، في نظره، «تجاوزت الدين»، وآخر يهاجمها لأنها لم تكن «نموذج المرأة المتحررة» كما يتخيله هو.

في الحالتين، تتراجع حرية المرأة أمام رغبة الآخر في فرض تصوره الخاص عليها.

العنف الرقمي، إذن، ليس وليد الدين وحده، ولا وليد التحرر وحده؛ إنه، في كثير من صوره، تعبير عن ثقافة ذكورية متجذرة في المجتمع، قادرة على الاختباء خلف قوالب إيديولوجية ودينية وفكرية مختلفة. فالمشكلة لا تكمن في المرجعية التي ينطلق منها الشخص بقدر ما تكمن في الطريقة التي يتعامل بها مع حرية الآخر وحقه في الاختلاف.

المتدين الذي يشتم امرأة لأنها ظهرت بلا حجاب، والمتحرر الذي يشتمها لأن موقفها لم يعجبه، أو لأن طريقة تفكيرها لا تنسجم مع تصوراته، قد يختلفان جذريا في المرجعية والخطاب، لكنهما يلتقيان في ممارسة واحدة: مصادرة حق المرأة في أن تكون إنسانا حرا، له اختياراته وقناعاته، وله أيضا الحق في أن يخطئ أو يختلف أو يختار طريقا لا يوافق أهواء الآخرين.

فالمرأة ليست ساحة مفتوحة لإسقاط التصورات الدينية أو الفكرية أو الاجتماعية عليها، وليست «ملكا عاما» ينبغي أن يتوافق مع مقاسات الآخرين. حريتها لا ينبغي أن تكون مشروطة بموافقة هذا الطرف أو ذاك، كما أن احترامها لا ينبغي أن يكون رهينا بمدى تطابق اختياراتها مع منظومة قيمنا الشخصية.

إن الاختلاف حق، لكنه لا يمنح أحدا حق الإهانة. والنقد حق، لكنه لا يبرر التنمر أو التشهير أو اغتيال الشخصية. وحرية التعبير لا تعني حرية الاعتداء على كرامة الآخرين.

لذلك، فإن مواجهة العنف الرقمي ضد النساء لا ينبغي أن تتحول إلى معركة بين «متدينين» و«متحررين»، بل إلى مساءلة أعمق لثقافة تسمح بتحويل الاختلاف إلى وسيلة للعقاب والإقصاء. فالمعيار الحقيقي للتحرر ليس الشعار الذي نرفعه، وإنما قدرتنا على احترام الإنسان حين يختلف عنا.

العنف الرقمي ممارسة مؤذية، وقد يرتقي في بعض صوره إلى مستوى الجريمة، لكنه قبل ذلك يكشف عن أزمة أعمق في علاقتنا بالاختلاف وبحرية الآخر. وكل من يمارس هذا العنف، أيا كانت مرجعيته أو شعاراته، يسهم في إعادة إنتاج ثقافة قمع المرأة، حتى وإن كان يزعم أنه يدافع عن حريتها.

فالحرية التي لا تحتمل اختلاف المرأة ليست حرية كاملة، والتحرر الذي يتحول إلى أداة لفرض نموذج بعينه ليس تحررا، كما أن الدفاع عن القيم لا يمنح أحدا رخصة لإهانة من لا يتبناها.

تعليقات