مِرْآةُ الدُّمُوعِ
لقد أصبح البشر يتقنون لباس الأقنعة حتى إنك لم تعد تميز بين من هم صادقون ومن هم منافقون.
كانوا يقولون في مدينة «سِرّ» إن الله أخفى الحقيقة في الدموع؛ لأن اللسان تعلم الكذب مبكرًا، ولهذا لم تكن الدموع هناك ماءً شفافًا كما في بقية المدن، بل ألوانًا حية تسقط من المآقي محملة بمعنى واحد لا يقبل التأويل.
كان لكل شعور طيفه الخاص:
الأبيض: سلام.
الأزرق: شوق.
الأحمر: ألم.
الأسود: فقد.
أما الرمادي فكان لونًا يخشاه الجميع لأنه لا يدل على شيء واضح، والمدينة لا تؤمن إلا بما يمكن تعريفه.
هكذا ظهرت «مرآة الدموع»، تلك المرآة العملاقة التي وضعت في الساحة الكبرى، لا لتعكس الوجوه بل لتعكس ما يسقط من المآقي.
كل مواطن في «سِرّ» كان ملزمًا بالوقوف أمام المرآة مرة كل عام. تبكي العين فتقرأ المرآة لون الدمع، ثم يحفظ الشعور في سجل المدينة بوصفه حقيقة نهائية عن صاحبه.
لم يعد الناس يسألون: «ماذا قال؟» بل: «ماذا بكى؟»
وكان هناك رجال يسمون «حراس التصنيف»، مهمتهم تفسير الألوان وتحويلها إلى أحكام. كانوا يؤمنون أن الإنسان الواضح إنسان آمن وأن الغموض بداية الفوضى.
في أحد الأحياء القديمة خلف السوق الحجري وبيوت النوافذ الضيقة، عاشت امرأة تدعى «ليل». لم تكن مختلفة عن الآخرين في ظاهرها، لكنها كانت تشعر دائمًا أن داخلها مزدحم بأشياء لا تعرف أسماءها.
حين تضحك كان هناك حزن صغير يختبئ خلف ضحكتها، وحين تبكي كانت تشعر بشيء يشبه الراحة يتسلل داخل الألم نفسه.
ذات مساء وقفت أمام مرآتها الصغيرة في البيت، وحدقت طويلًا في عينيها.
همست لنفسها:
«لِمَاذَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ شَيْءٍ اسْمٌ وَاحِدٌ؟»
لكن السؤال في مدينة «سِرّ» كان أخطر من الجواب.
في اليوم التالي استدعيت إلى الفحص السنوي أمام مرآة الدموع. كانت الساحة الكبرى مكتظة بالبشر. الأطفال يبكون في حضن أمهاتهم، والعشاق ينتظرون دورهم بقلق، والحراس يتحركون بين الناس بوجوه باردة، كأنهم لا يملكون مشاعر أصلًا.
ارتفعت المرآة وسط الساحة كأنها بوابة من الضوء. سطحها الفضي يتحرك ببطء كالماء حين يفكر.
حين نودي اسم «ليل» شعرت أن المدينة كلها تنظر إلى قلبها. تقدمت بخطوات مترددة.
وضع أحد الحراس يده على كتفها وقال بصوت آلي:
«المرآة لا تخطئ.»
نحن الحراس… حراس الدموع
نزن القلوب… بميزان الخضوع
هذي المدينة لا تحب المبهم
فالغامضون هم البلاء إذا نما
أعطوا المشاعر لونها… وتكلموا
فالصمت عند الحكم ذنب يُكتم
الأبيض المأمون… سلم الطائعين
والأزرق الممدود… شوق الخاضعين
أما الأسى فالأسود المحفور في
جوف البكاء كمقصلة السكين
لكننا نخشى الرمادي الذي
يأتي بوجه لا يُفسَّر أو يُرى
هو لون من أخفى الحدود بصدره
فتشظى المعنى وضاع المبتدأ
من لم يصنف دمعه… فهو العدو
من شك في المرآة… يبدأه السقوط
قف وحيدًا… وابك وحدك… لا تمل
فالله يكره أن يكون القلب مختلط
نحن اليقين… والمرايا شرعنا
والوجه إن لم ينكشف… فهو الخطر
أخفوا التناقض في الضلوع فإنه
نار تشوه صورة البشر الأول
لا تبك نصف الحزن… ذلك خيانة
لا تضحك الممزوج بالخوف الدفين
إن النقاء هو الخلاص وحده
أما التعقد… فاللعين اللعين
ثم يضرب الحراس بأعقاب رماحهم الأرض ثلاث مرات، بينما تضيء المرآة ببطء ويساق الناس واحدًا واحدًا نحو انعكاساتهم.
وقفت ليل أمام الزجاج الهائل. انعكس وجهها شاحبًا ومكسورًا. أغمضت عينيها وحاولت أن تستدعي حزنًا واضحًا… شيئًا يمكن للمدينة أن تفهمه بسهولة.
تذكرت أباها الميت.
لكنها في اللحظة نفسها تذكرت ضحكته القديمة. ثم تذكرت خوفها من الموت. ثم شعورها بالذنب؛ لأنها لم تبكه بما يكفي. ثم شيئًا آخر لا اسم له… شعورًا غامضًا يشبه الوقوف بين بابين لا يؤدي أي منهما إلى النجاة.
سقطت دمعة. حدق الجميع في المرآة، لكن اللون لم يظهر. ساد صمت مرتبك.
اقترب أحد الحراس من الشاشة الصغيرة الموصولة بالمرآة، وضغط عدة أزرار بسرعة.
«أعيدوا التحليل.»
سقطت دمعة ثانية. وفجأة حدث شيء لم يحدث في تاريخ المدينة.
ظهر الأزرق أولًا لكنه لم يستقر. جاء الأسود وابتلعه جزئيًا، ثم تمدد الأبيض داخل الاثنين قبل أن ينتشر الرمادي كضباب يلتهم الحدود كلها.
بدأ سطح المرآة يرتجف. تراجع الناس بخوف.
صرخ أحد الحراس: «هذا خلل في الجسد!»
«لا… هذا خلل في النظام.»
الألوان داخل المرآة لم تكن تختلط فقط، بل كانت تتصارع كأن كل شعور يرفض أن يترك مكانه للآخر.
أما ليل فبقيت واقفة بصمت، وفجأة فتحت ذراعيها كمن يناجي الخالق وجعلت ترقص رقصة السماع مغمضة العينين، وهي تردد:
أنا من رأى في الدمع وجه حقيقته
فتشظى في مقلتي المبهم
لم أدرِ: أأبكي الله فيَّ توجعًا
أم أبكي الإنسان حين يُقسَّم؟
كنت الذي في الحزن يحمل بهجةً
ويضم في الأفراح جرحًا يُكتم
فرأيت أن الروح ليست واحدًا
بل ألف بحر في الضلوع تلاطموا
قالوا: «اختر لونًا لقلبك واضحًا»
فأجبت: «كيف اللون والقلب أبهم؟»
فيَّ الأبيض المسكون في خوف الردى
وفيَّ أسود فقدكم يتكلم
والأزرق الممدود بين أضلعي
نفس إلى وجه الحنين يترجم
أما الرمادي الذي خافوا صداه
فهو الحقيقة… لا الذي يتوهم
إني رماد الروح بين تشظيين
نصفي يصلي… والنصف ينهدم
وقفت أمامي مرآتهم متجبرًا
فرأيتها من خوفها تتهدم
لما بكيت تزاحمت ألواننا
حتى تصدع في الزجاج المحكم
وسمعت صوتًا في داخلي هاتفًا:
«إن الذي لا يلتبس… لا يفهم»
فسقطت في نور التناقض ساجدًا
وعرفت أن الله ليس يترجم
ما الإنسان إلا دمعة مترددة
بين الفناء وبين ما لا يعلم
وبقيت أمشي في المدينة شاحبًا
كالصوفي يحمل سره ويكتم
حتى إذا سألوا: «من أنت؟» ابتسمت
وقلت: «أنا دمع على الله اسمه الإنسان.»
لم تكن تعرف كيف تشرح ما يحدث. كانت تشعر بالحزن فعلًا… لكنها كانت تشعر أيضًا بالحنين والخوف والراحة والضياع في الوقت نفسه. كأن روحها لا تعيش شعورًا واحدًا، بل تعيش ازدحامًا كاملًا من المعاني.
ثم حدث الأمر الأكثر غرابة.
الدمعة الثالثة لم تسقط. بقيت معلقة في الهواء بين عيني ليل والمرآة، ترتجف كنجمة صغيرة ضائعة.
شهق الناس. حتى الحراس تراجعوا خطوة إلى الخلف.
في تلك اللحظة خفت ضوء المرآة للمرة الأولى منذ تأسيس المدينة. لم تصدر حكمًا، ولم تمنح لونًا، ولم تمنح تعريفًا.
فقط صمتت. وكان صمتها مرعبًا أكثر من أي صوت.
رفعت ليل رأسها ببطء وقالت بصوت منخفض:
«ربما لست حزينة كما تقولون… ولا سعيدة كما تريدون. ربما أنا شيء بينهما… شيء لا يريد أن يُحسم.»
لم يرد أحد. لأن المدينة لم تكن تملك لغة لكلمة «بينهما».
بعد تلك الليلة بدأت الشائعات تنتشر في «سِرّ». بعض الناس قالوا إن مرآة الدموع تعطلت، وآخرون قالوا إن ليل مصابة بمرض عاطفي معدٍ.
لكن الحراس أنفسهم كانوا أكثر خوفًا من الجميع، لأنهم وجدوا في السجلات عبارة لم يسبق أن ظهرت من قبل:
«ظهر نوع جديد من الدموع… لا يخضع للتصنيف.»
اختفت ليل بعد الحادثة بأيام. قيل إنها عادت إلى بيتها القديم قرب السوق، وقيل إنها هربت خارج المدينة، وقيل إن المرآة نفسها ابتلعتها.
لكن الشيء الذي لم يستطع أحد إنكاره أن الناس منذ تلك الليلة صاروا يشكون في مشاعرهم للمرة الأولى.
رجل بكى في جنازة أمه فاكتشف أن دموعه ليست سوداء خالصة، بل يختلط فيها شيء من الأبيض، كأنه يشعر بالراحة لأن ألمها انتهى.
وامرأة قالت إنها سعيدة بزواجها ثم رأت في دموعها خيطًا رفيعًا من الخوف.
وطفل صغير سأل معلمته:
«لماذا يجب أن يكون للروح لون واحد؟»
ولأول مرة، لم تعرف المعلمة ماذا تجيب.
أما المرآة فقد تغير شيء فيها إلى الأبد. صار ضوؤها أضعف وقراءتها أبطأ، وكأنها بدأت تشك هي الأخرى في قدرتها على فهم البشر.
وفي بعض الليالي كان المارة يقسمون أنهم يرون فوق الساحة الكبرى دمعة معلقة لا تسقط أبدًا، تتلون ثم تختفي، كأنها تذكر المدينة بسر حاولت دفنه طويلًا.
إن الإنسان ليس حقيقةً واحدةً…
بل فوضى حية من المشاعر التي لا يمكن اختصارها بلون واحد.