عباس محمود عامر | مصر
حين يجفُّ النهر
يا سيدتي...
حين يجفُّ النهر،
وتصمتُ فيكِ الشطآن،
وتفرُّ عقاربُ أيامكِ في الهجران،
تسحلُ حلمًا كان... فمات،
وتركتْ في البدرِ خسوفًا للأحزان.
لكن، يا سيدتي، أجنُّ
من سحرِ الماسِّ في عينيكِ،
من شغفِ الياقوتِ على وترِ العشق،
من شعرٍ يتغنّى في وصفِ تفاصيلكِ.
حين تَهيمُ الشمسُ
بصدرِ نهارٍ،
كانت روحانا،
وكان النبضُ لحونًا عزفتْ
همسَ القبلةِ في شفتيكِ.
صهدٌ
أسخنَ ثلجَ القلبِ فذاب،
بلّل فينا الجسد
في حضنِ سحابة.
تعرّت فوق السطر حروفُكِ،
ونطقت بالآهات...
حين يحطُّ العصفورُ على نهديكِ،
ينقرُ فيكِ الحلمات،
فكّكَ أعصابَ الدوحة.
أضمُّ
كلَّ شتاتِ الأنثى
في لوحة،
وأتحسّسُ فيكِ الألوان،
وأتوهُ بين اللمسات.
قبسٌ
مدَّ لسانَ الجمرةِ
في عينِ اللهفات.
صارت شهبًا
تتلوّى شبقًا.
نافورةُ شوقٍ من نار
دفقت ماءً
يطفئُ ظمأَ الليلات.
وقفة انطباعية مع قصيدة «حين يجف النهر»
شاعرية الصورة وحرارة الوجدان
تنهض قصيدة "حين يجف النهر" على لغةٍ مشبعة بالصور والاستعارات، تجعل من العشق فضاءً تتقاطع فيه
عناصر الطبيعة مع الانفعال الإنساني. فالنهر، والشطآن، والبدر، والشمس، والسحابة،
والعصفور ليست مجرد مفردات جمالية، بل رموز تتحرك داخل نسيج شعري يسعى إلى تجسيد
حالات الفقد والاشتياق والافتتان. ينجح الشاعر عباس محمود عامر في بناء إيقاع
داخلي متدفق، يعتمد على تكرار النداء والتوازي وتكثيف الصورة، مما يمنح النص طاقة
انفعالية واضحة. كما تتسم القصيدة بجرأة في استحضار الجسد بوصفه امتدادًا للوجدان،
لا بوصفه غاية في ذاته، وهو ما يضفي على التجربة بعدًا حسّيًا يتداخل مع البعد
الرمزي. ورغم كثافة الصور وتراكمها في بعض المقاطع، فإن النص يحافظ على وحدته
الشعورية، ويمنح القارئ فرصة للتأويل والانخراط في عالمه. إنها قصيدة تكتب الحب
بوصفه حالة وجودية تتأرجح بين الانكسار والاشتعال، وبين جفاف النهر وفيض الرغبة،
في لغة شاعرية مفعمة بالإيحاء والانفعال.
