قراءة نقدية: هدى حجاجي أحمد | جمهورية مصر العربية
ثمة نصوص لا تُقرأ بوصفها كلماتٍ مصطفّة على الورق، بل بوصفها تجربة
إنسانية كاملة تتأمل الوجود من داخله، وتحاول أن تلتقط ذلك الخيط الرفيع بين
المعرفة والجهل، بين اليقين والارتياب، وبين ما نظنه حقيقة وما تكتشفه أرواحنا
لاحقًا بوصفه مجرد مرحلة عابرة في طريق الفهم. ومن هذا الأفق التأملي العميق ينبثق
نص "ورطة اليقين" للأديب المغربي حسن امحيل.
منذ العنوان، يضعنا الكاتب أمام مفارقة فلسفية لافتة. فاليقين الذي
اعتادت البشرية النظر إليه باعتباره غاية المعرفة وذروة الإدراك، يتحول هنا إلى
"ورطة". وهذه المفارقة ليست لعبة لغوية بقدر ما هي مفتاح لقراءة النص
بأكمله. فالكاتب لا يحتفي باليقين، بل يكشف هشاشته، ويعيد الاعتبار إلى السؤال
بوصفه الحالة الأكثر صدقًا في التجربة الإنسانية.
يبدأ النص باعتراف وجودي بالغ العمق: "أتعثر بي كلما حسبت أنني صرت
أعرفني". وهي عبارة تختصر رحلة الإنسان مع ذاته. فكلما ظن أنه بلغ معرفة
نفسه، اكتشف طبقات جديدة من الغموض. هنا لا يعود الإنسان باحثًا عن العالم
الخارجي، بل عن ذاته التي تتغير باستمرار، وتفلت من أي تعريف نهائي أو يقين مطلق.
ويواصل الكاتب بناء رؤيته عبر إعادة تعريف العمر. فالعمر لديه ليس عدد
السنوات، بل اتساع المسافة بين السؤال وجوابه. إنها رؤية فلسفية تجعل النضج
مرتبطًا بقدرة الإنسان على التعايش مع الأسئلة، لا بعدد الأجوبة التي يمتلكها.
وهنا تكمن إحدى أجمل أفكار النص؛ إذ يتحول العمر من زمن بيولوجي إلى زمن معرفي
وروحي.
كما ينجح الكاتب في تصوير التحول الذي يطرأ على الإنسان مع الخبرة. ففي
البدايات كان يطمح إلى تغيير العالم كل صباح، أما الآن فيكتفي بتغيير مقعده ليرى
الخطأ من زاوية أخرى. إنها صورة بالغة الذكاء تختزل رحلة الانتقال من حماسة
التغيير المطلق إلى حكمة إعادة النظر. فالعالم لم يتغير كثيرًا، لكن زاوية الرؤية
هي التي نضجت.
ويبلغ النص ذروة تأمله حين يتحدث عن الخسارة والتعلق. فالحياة، في نظر
الكاتب، لا تكافئ الإنسان على دروسه، بل تفاجئه دائمًا بمفارقات جديدة. فكل خسارة
يتقنها تتحول إلى درس جديد في التعلق، وكأن الإنسان محكوم بأن يتعلم ثم يعيد
التعلم إلى ما لا نهاية.
ومن أجمل ما يميز النص تلك القدرة على استخراج الحكمة من التفاصيل
اليومية البسيطة. فالكرسي الذي حمل تعب الأب، والكوب الذي نجا من الانكسار، والرغيف
الذي يعرف أن الجوع أصدق من البلاغة؛ كلها أشياء عادية تتحول في النص إلى رموز
إنسانية نابضة بالحياة. وهنا تتجلى براعة الكاتب في جعل الفلسفة تمشي على أقدام
الحياة اليومية بدل أن تبقى حبيسة المفاهيم المجردة.
أما الخاتمة فتأتي محملة بكثافة دلالية عالية: "وأمضي... لا لأن
النهاية واضحة، بل لأن الوقوف طويلًا يقنع الحجر أنه شجرة." إنها خاتمة ترفض
الركود، وتحتفي بالحركة المستمرة رغم الغموض. فالكاتب لا يدعو إلى اليقين، ولا إلى
الاستسلام، بل إلى المضي قدمًا رغم عدم امتلاك الإجابات الكاملة.
أسلوبيًا، يعتمد النص على لغة مكثفة شفافة، تمزج بين الشعرية والحكمة،
وبين التأمل الفلسفي والصورة اليومية. كما يتميز باقتصاد لغوي لافت، حيث تحمل
الجمل القصيرة معاني واسعة، وتتحول العبارة الواحدة إلى مساحة مفتوحة للتأويل
والتفكير.

