في وقتٍ كانت فيه التقارير
تتحدث عن تراجع معدلات القراءة، وانصراف الشباب نحو المحتوى السريع، ظهر على منصة
"تيك توك" مجتمع صغير يحمل وسم BookTok. لم يكن أحد
يتوقع أن تتحول مقاطع لا تتجاوز دقيقة واحدة إلى قوة مؤثرة في صناعة النشر
العالمية، وأن تصبح روايات مضى على صدورها سنوات طويلة ضمن قوائم الأكثر مبيعًا،
بفضل توصية صانع محتوى أو قارئ عادي يشارك انفعاله بعد الانتهاء من كتاب.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه
اليوم ليس ما إذا كان "بوك توك" قد نجح في إعادة الشباب إلى القراءة،
بل: أي قراءة أعادهم إليها؟
لا شك أن "بوك
توك" حقق إنجازًا يصعب إنكاره. فقد أعلنت منصة تيك توك أن الوسم تجاوز 80
مليون منشور عالمي بحلول يونيو 2026، في مجتمع يضم ملايين القراء الذين يتبادلون
التوصيات والانطباعات والاقتباسات بصورة يومية. وبالنسبة إلى دور النشر، لم يعد
نجاح الكتاب يعتمد فقط على مراجعات النقاد أو الجوائز الأدبية، بل أصبح رهينًا
أحيانًا بفيديو قصير قد يحصد ملايين المشاهدات خلال ساعات.
لقد ساهم هذا التحول في
إعادة الاعتبار إلى الكتاب بوصفه موضوعًا للنقاش اليومي، لا مجرد سلعة ثقافية
موسمية. كما نجح في جذب فئات عمرية كانت بعيدة عن القراءة، خاصة المراهقين والشباب
الذين وجدوا في مجتمع "بوك توك" فضاءً غير رسمي يشاركهم الشغف نفسه، بعيدًا
عن سلطة المدرسة أو النقد الأكاديمي.
غير أن هذا النجاح يخفي
تحولات أعمق تستحق التأمل.
فالقراءة داخل "بوك
توك" أصبحت، في كثير من الأحيان، تجربة بصرية وعاطفية أكثر منها تجربة
معرفية. لا تُقدَّم الكتب من خلال تحليل بنيتها أو مناقشة أفكارها، بل عبر تصوير
ردود الفعل والانفعالات: دموع، صدمات، ضحك، أو دهشة. وهكذا أصبح معيار نجاح الكتاب
هو قدرته على إثارة المشاعر السريعة، لا بالضرورة عمقه الفكري أو قيمته الأدبية.
هذا المنطق الجديد دفع بعض
الناشرين إلى تعديل استراتيجياتهم، فأصبحت الأغلفة أكثر جاذبية، والعناوين أكثر
إثارة، وحتى بدايات الروايات أسرع إيقاعًا لضمان جذب القارئ منذ الصفحات الأولى.
وقد أشارت تحليلات حديثة إلى أن تأثير المنصات الرقمية بدأ ينعكس على أساليب
الكتابة نفسها، حيث تتجه بعض الأعمال إلى فصول أقصر وسرد أكثر سرعة، انسجامًا مع
ثقافة الانتباه الخاطف.
كما خلق "بوك
توك" نوعًا من "اقتصاد الشهرة" داخل المجال الأدبي؛ إذ قد تحقق
رواية متوسطة المستوى انتشارًا هائلًا بسبب تداولها على المنصة، بينما تبقى أعمال
ذات قيمة فنية عالية خارج دائرة الضوء لأنها لا تنسجم مع آليات الانتشار الرقمي.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا: هل باتت الخوارزمية هي الناقد الأدبي الجديد؟
في المقابل، لا يمكن إغفال
الجوانب الإيجابية لهذه الظاهرة. فقد أسهمت في التعريف بكتّاب مستقلين، وأعادت
الحياة إلى كتب كانت منسية، ووفرت مساحة لعرض أصوات أدبية متنوعة، بما في ذلك
مؤلفات من ثقافات ولغات مختلفة. كما أن كثيرًا من المكتبات ودور النشر خصصت أرففًا
تحمل اسم "كتب بوك توك"، في اعتراف واضح بتأثير المجتمع الرقمي في سوق
الكتاب.
واللافت أن تأثير
"بوك توك" تجاوز عالم النشر ليصل إلى السينما ومنصات البث، إذ أصبحت
شركات الإنتاج تتابع الكتب الرائجة على المنصة لاختيار الأعمال القابلة للتحويل
إلى أفلام ومسلسلات، مستفيدة من وجود جمهور جاهز قبل بدء الإنتاج.
إذن، هل أنقذ "بوك
توك" القراءة؟
الإجابة ليست بسيطة. لقد
أنقذ عادة القراءة لدى كثير من الشباب، لكنه في الوقت نفسه أعاد تعريفها. فالقراءة
لم تعد فعلًا فرديًا هادئًا، بل أصبحت نشاطًا اجتماعيًا تُقاس قيمته بعدد
المشاركات والإعجابات والتعليقات. ولم يعد القارئ يكتفي بإنهاء الكتاب، بل يشعر بالحاجة
إلى تصويره، والتعليق عليه، والانضمام إلى موجة الحديث عنه.
ويبقى التحدي الحقيقي هو
ألا يتحول الكتاب إلى مجرد "ترند" عابر. فالثقافة لا تُبنى فقط بما يحقق
الانتشار، وإنما أيضًا بما يرسخ التفكير النقدي، ويمنح القارئ فرصة للتأمل والحوار
مع النص.
ربما لا يكون "بوك
توك" قد غيّر معنى القراءة بالكامل، لكنه غيّر طريقتها، وغيّر علاقتنا
بالكتاب، وفتح الباب أمام جيل جديد يرى في القراءة فعلًا جماعيًا يتقاطع فيه الأدب
مع التكنولوجيا، والذائقة مع الخوارزمية، والكتاب مع الشاشة.
المراجع
1. TikTok Newsroom. The BookTok Community's 2026 Summer Reading List. يونيو 2026.
2. University of Liverpool. How BookTok Trends Are Influencing What You
Read. 2023.
3. BookTok Helped Us Sell It: How
TikTok Disrupts Publishing and Fuels the Romantasy Boom. ResearchGate، 2024.
4. Jerasa, S. E. Examining Cultural and Linguistic Identity Expression in
BookTok. مجلة Education Sciences، 2025.
5. Axios. How BookTok is Reshaping Hollywood. مايو 2026.
