📁 تدوينات جديدة

وشم الأمس | شعر: محرزية عيساوي

وشم الأمس | شعر: محرزية عيساوي
 

وشم الأمس

محرزية عيساوي | تونس

هو الحنين والشوق للديار القديمة،
للحكايا المعتّقة،
لوشمٍ على جبين الجدة،
لسماع قصص الأمير والأميرة،
للحب الساكن في قلوب الأطفال فينا،
للركض واللعب بين الثنايا،
للبحث عن عشّ اليمامة.
هو الحنين لزمن يشبهنا،
لأحلامنا الحافية،
لأمنياتٍ كبرت معنا دون أن تخشى السقوط،
إلى وطن صغير يحتوينا،
إلى ملامح تختصر عيون الطفولة،
إلى نسختنا التي تسع حلم العالم،
إلى فرحٍ لا يحتاج مناسباتٍ وأمكنةً جديدة.
هو الحنين لأغنيات تترك في القلب أثرًا يشبه الصمت،
وتمسح تعب الأيام ورائحة الأمس،
إلى تراب الطريق،
وصفير الريح،
إلى عودة زائر يحمل رائحة البخور.
إنه الحنين للفرح بالخطوة الأولى.

قراءة أصداء الفكر

تنهض قصيدة «وشم الأمس» على حسّ نوستالجي عميق، يجعل من الحنين بنية شعورية وجمالية متكاملة، لا مجرد استعادة عابرة للماضي. فالنص يستدعي تفاصيل الطفولة والذاكرة الحميمة عبر صور دافئة تنتمي إلى العالم البسيط: الجدة، الحكايات، اللعب، عشّ اليمامة، وأغنيات الأمس. وهي عناصر تتحول داخل القصيدة إلى رموز للبراءة الأولى والطمأنينة المفقودة.

تعتمد الشاعرة لغة شفيفة وهادئة، قريبة من الوجدان، لكنها محمّلة بإيحاءات إنسانية واسعة. فالحنين هنا ليس حنينًا إلى مكان فحسب، بل إلى «نسختنا الأولى» قبل أن تثقلنا الحياة بالخذلان والأسئلة. ومن خلال التكرار البنائي لعبارة «هو الحنين»، يتشكل إيقاع داخلي يمنح النص تماسكًا وتأملًا متدرجًا، وكأن القصيدة اعتراف طويل أمام مرآة الذاكرة.

كما يبرز البعد البصري في النص عبر مشاهد دقيقة تستحضر الطفولة والحياة القديمة بروح شاعرية شفافة، مما يمنح القصيدة طابعًا سينمائيًا رقيقًا. وتنجح الشاعرة في تحويل التفاصيل اليومية الصغيرة إلى مساحة إنسانية مشتركة، يجد القارئ نفسه داخلها دون عناء.

إنها قصيدة تحتفي بالذاكرة بوصفها ملاذًا أخيرًا للروح، وتعيد الاعتبار للمشاعر الأولى التي تصنع جوهر الإنسان.

 

تعليقات