سعاد فوائد | المغرب
لم أكن أجيد الكذب، لكنني كنت بارعة
في الصمت، والصمت أحيانًا كذبة أنيقة لا تترك آثارًا واضحة. كنت أتعامل معه كما
يتعامل البعض مع الأشياء الثمينة، أضعه في مكان خفي وأتظاهر بأنه غير موجود. حين
كان يسألني: «هل أنتِ بخير؟» لم يكن ينتظر جوابًا بقدر ما كان يفتح بابًا، وأنا
كنت أختار أن أبقيه مواربًا. أبتسم، أومئ برأسي، وأترك السر يستقر في صدري كحجرٍ
دافئ لا يؤلمني، لكنه يغيّر طريقة تنفّسي.
لم أخبره، ليس لأنني لم أثق به، بل
لأنني خفت أن أفقد الشيء الوحيد الذي منحني معنى للنجاة: أن أبقى كما أنا، غير
مكشوفة بالكامل.
تعرّفت عليه في وقتٍ كنت فيه أشبه
ببيتٍ مهجور؛ الجدران قائمة، النوافذ مفتوحة، لكن لا أحد يسكن المكان فعلًا. كان
دخوله حياتي هادئًا، بلا ضجيج، كأنه لم يرد أن يزعج الخراب. كان بسيطًا على نحوٍ
يربك، لا يملأ الصمت بكلام زائد، ولا يهرب منه. يضحك من قلبه، ويصغي وكأن العالم
يتوقف عندما يتحدث أحد.
قال لي يومًا، ونحن نجلس في مكانٍ
مزدحم على غير عادته: «الناس لا يحتاجون حلولًا بقدر ما يحتاجون من يسمعهم».
التفتُّ إليه، وحينها شعرت أن الجملة ليست عابرة، كأنها قيلت لي وحدي. كدت أخبره
في تلك اللحظة، لكن الكلمات تراجعت؛ خافت أن تخرج فتنكسر، أو أن تخرج صحيحة أكثر
مما أحتمل.
السر لم يكن خطيئة، ولا حكاية سوداء
كما قد يتخيل المرء، لم يكن ماضيًا مخجلًا ولا جرحًا فاضحًا، كان حلمًا مؤجلًا،
مؤجلًا إلى حدّ أنني بدأت أتعامل معه كشيء غير موجود. حلمًا أخفيته لأنني نشأت على
فكرة أن الأحلام الكبيرة تليق بالآخرين فقط، وأن أقصى ما يمكنني فعله هو الإعجاب
بها من بعيد.
كنت أكتب في الليل، عندما ينام كل
شيء، عندما يصبح الصمت أقل قسوة. أكتب وكأنني أتنفس للمرة الأولى، وكأن الهواء لا
يصل إلى رئتيّ إلا عبر الكلمات. أوراقي كانت تعرفني أكثر من أي إنسان، وكانت تشهد
على خوفٍ قديم: أن يراني أحد، أن يقرأني، ثم يقرر بهدوء أن ما أفعله لا يستحق.
كان هو أول من شجعني دون أن يعلم.
لم يقل يومًا: «اكتبي»، لكنه كان يتحدث إليّ كما لو كنت أكتب بالفعل. كان يقول لي:
«لديكِ طريقة غريبة في رؤية الأشياء، كأنكِ تلتقطين المعنى من خلف الكلمات». كنت
أضحك وأغيّر الموضوع، أتهمه بالمبالغة أو الحساسية الزائدة، بينما قلبي يصرخ: هذا
هو الوقت، أخبريه الآن، قولي له إنكِ تختبئين خلف الصمت لأنكِ تخافين من الضوء.
لكنني لم أفعل، لأن السرّ حين يكبر
في الداخل لا يعود مجرد فكرة، بل يصبح جزءًا من الهوية، والتخلي عنه يشبه التعري
أمام العالم دون ضمانات.
في أحد الأيام، أحضر لي دفترًا
صغيرًا غلافه أزرق. لم يكن جديدًا تمامًا، كأنه استُخدم ثم تُرك. قال وهو يضعه
أمامي: «احتفظي به، أظنكِ تحتاجينه». سألته، وأنا أراقب الدفتر أكثر مما أراقبه:
«ولماذا تعتقد ذلك؟». أجاب ببساطة أربكتني: «لأن العيون التي ترى بهذا العمق لا بد
أن تكتب، حتى لو أنكرت».
ارتجفت يداي، شعرت بأن شيئًا في
داخلي انكشف فجأة. كدت أبكي، كدت أعترف بكل شيء دفعة واحدة، لكنني شكرته فقط بصوت
بدا لي غريبًا، كأنه ليس صوتي.
مرّت الشهور، وكلما اقتربنا خطوة،
ابتعد السر خطوتين، كأنه يخشى الضوء فعلًا. كنت أعلم أن الصمت لا يدوم، وأن
الأسرار إمّا تُقال أو تتحول إلى حواجز غير مرئية، لكنني واصلت تأجيل اللحظة.
في يومٍ رمادي، بلا مقدمات درامية،
أخبرني أنه مسافر. فرصة عمل، مدينة جديدة، حياة محتملة. ابتسمت له، باركت له،
وشيّعته بقلبٍ ثابت على غير العادة، كأنني كنت أدرّب نفسي على هذا الفقد منذ زمن.
بعد رحيله، عدت إلى البيت وفتحت
الدفتر الأزرق. جلست طويلًا أنظر إلى الصفحة الأولى. الصمت كان مختلفًا هذه المرة،
لم يكن حماية، بل مواجهة.
وكتبت لأول مرة بلا خوف. كتبت عني،
عنه، عن المدينة، عن الأحلام التي تختبئ في الزوايا المظلمة، عن الذكريات الجميلة
التي اعتبرها شكلًا آخر من الذاكرة، عن الصمت الذي يبدو حكيمًا لكنه جبان، وعن
السر الذي لم أخبره به.
كتبت حتى شعرت أنني أخفّ، كأنني
وضعت حملًا قديمًا على الورق، كأنني قلت الحقيقة أخيرًا، لكن دون شاهد.
بعدها بأشهر، نُشرت نصوصي باسمٍ
مستعار. لم أنتظر تصفيقًا، لم أبحث عن اعتراف، فقط أردت أن أكون صادقة مع نفسي،
ولو متأخرة.
وفي يومٍ غير متوقع، وصلني بريد
إلكتروني قصير، قرأته أكثر من مرة قبل أن أتنفس:
«لا أعرف إن كنتِ ستقرئين
هذا، لكنني صادفت نصًا شعرت وكأنه كُتب لي. إن كان لكِ، فأنتِ فعلتِ ما لم أستطع
أنا فعله: قلتِ الحقيقة».
لم يذكر اسمه، لكنني عرفته. أغلقت
البريد، وبقيت أنظر إلى الشاشة طويلًا. أدركت حينها أن بعض الأسرار لا نبوح بها
للأشخاص، بل نتركها تسافر وحدها لتصل عندما نكون مستعدين لسماع صداها.
بعد أن أغلقت البريد، لم أشعر
بالانتصار كما تخيّلت يومًا، ولا بالندم أيضًا. كان الإحساس أقرب إلى الوقوف في
منتصف جسر؛ لا أنا في الضفة التي غادرتها، ولا وصلت بعد إلى الأخرى.
جلست قرب النافذة، المكان نفسه الذي
كنت أراقب منه المدينة حين كان يسألني إن كنت بخير. فكّرت كم مرة كدت أقول
الحقيقة، وكم مرة أنقذني الصمت من نفسي. لم أكرهه في تلك اللحظة، ولم أغفر له
أيضًا. الصمت مثل شخص قديم علّمني أشياء كثيرة، ثم تركني وحدي لأواجه نتائجها.
في الأيام التالية، بدأت الرسائل
تصل من غرباء يكتبون لي عن نصوصي، عن شعورهم بأن الكلمات تعرفهم، عن خوفهم الذي
وجدوا له اسمًا أخيرًا. كنت أقرأ وأصمت. المدهش أن الصمت هنا لم يكن ثقيلًا، كان
أشبه بمساحة أتنفس فيها.
كنت أكتب أكثر، لا لأن لديّ ما
أقوله، بل لأنني لم أعد أحتمل كتمه.
في إحدى الليالي، حلمت به. كان يجلس
قبالتي كما كان يفعل، يحرّك فنجان القهوة ببطء، وينظر إليّ دون استعجال. قال في
الحلم: «تأخرتِ». أجبته: «لكنني وصلت». ابتسم ولم يقل شيئًا.
عندما استيقظت، أدركت أن المواجهة
الحقيقية لم تكن معه، بل مع تلك النسخة القديمة مني، التي كانت تعتقد أن النجاة
تعني الاختباء.
مرّ وقت قبل أن أستوعب أن السر الذي
لم أخبره به لم يكن مجرد حلم بالكتابة، بل خوفًا من أن أُرى كما أنا، بلا حماية،
بلا أعذار.
في إحدى الأمسيات، عدت إلى المقهى
نفسه، جلست في المكان ذاته، طلبت القهوة نفسها، وانتظرت بلا سبب واضح. لم يأتِ،
ولم أكن أتوقع أن يفعل، لكن وجودي هناك كان اعترافًا متأخرًا، لنفسي قبل أي أحد.
قلت بصوت خافت، كأنني أخاطب الفراغ:
لقد أخبرتُ أخيرًا.
شعرت براحة غريبة، ليست سعادة، بل
صدقًا. حينها أدركت أن بعض العلاقات لا تُستكمل باللقاء، بل بالفهم، وأن بعض
الأشخاص يمرّون في حياتنا ليعلّمونا كيف نصغي لأنفسنا، لا ليبقوا.
عندما غادرت المقهى، كان الليل
خفيفًا على غير عادته. مشيت ببطء، بلا استعجال، وكأنني أتعلم المشي من جديد.
لم أعد أخاف من السؤال: «هل أنا
بخير؟». صرت أجيب عليه بصدق، حتى لو كان الجواب: «لا، لكنني في الطريق».
وهكذا، لم يعد السر سرًا، بل بداية.
بداية امرأة توقفت عن الصمت حين صار الكلام ضرورة لا طلبًا، وحين فهمت أن الحقيقة
لا تُقال لتُسمع، بل لتُنقذ من يقولها.
