📁 تدوينات جديدة

قراءة سيميائية في دلالة "المطر" في رواية "طفولة بلا مطر" للدكتور إدريس الكريني | زايد الرفاعي

قراءة سيميائية في دلالة "المطر" في رواية "طفولة بلا مطر" للدكتور إدريس الكريني | زايد الرفاعي

زايد الرفاعي | ماستر في الصحافة -المغرب-

[إدريس الكريني حين يكشف عن جفاف الهامش، فهو في العمق يكشف عن جفاف ضمير المركز.]

هناك كتّاب يزينون الهامش ليصبح لوحة فلكلورية للبيع، وهناك كاتب مثل إدريس الكريني يمزق اللثام عن وجه الهامش ليكشف عن جفافه الحقيقي، بلا مساحيق ولا دموع زائفة. وهذا ما فعله بالضبط في روايته "طفولة بلا مطر".

ففي "أحداث الرواية"، لا يحضر المطر كظاهرة طبيعية، بل كعلامة سيميائية مركزية تشتغل على مستويات دلالية متعددة. الكريني يحوّل "الغياب" إلى دالّ مشحون.

فما هي أنساق المطر الدلالية في النص؟

لكن، قبل الإجابة عن هذا السؤال الجوهري، والخوض في تشريحه سيميائياً، دعونا نطرح بعض الأسئلة الفرعية، فنقول:

1.     كيف صوّر الكريني البادية؟

2.    لماذا اختار الكاتب الطفولة كمرآة ليكشف عن جفاف الهامش؟

3.    ما هي أنواع الجفاف التي قام النص بإزاحة اللثام عنها؟

لقد اعتدنا في الخطاب الرسمي والخطاب الرومانسي للروايات والكتابات الأدبية تصوير البادية المغربية كفضاء للبراءة والنقاء.

هنا، الكريني يقول: لا. يزيح هذا اللثام بقسوة. البادية عنده ليست "جنة ضائعة"، بل "جحيماً مؤجلاً". الجفاف فيها ليس قدراً سماوياً، بل نتيجة إهمال. الطفل لا يلعب مع الجداء في المراعي الخضراء، بل يتصارع معها على قطرة ماء. هذه هي الحقيقة التي يفضحها النص.

لقد اختار الكريني "الطفولة" أولاً ليكشف جفاف الهامش بعين البراءة التي تتجلى في الطفولة، لأن الطفل لا يكذب ولا يجمّل. عين الطفل هي أنقى عدسة. حين يعطش الطفل، فاعلم أن البئر نضبت فعلاً. حين يجوع الطفل، فاعلم أن المخزن فارغ فعلاً. "طفولة بلا مطر" هي جهاز قياس الجفاف الأخلاقي والتنموي في المغرب العميق. الكريني يستعمل براءة الطفل ليُدين تواطؤ الكبار.

أما من حيث أنواع الجفاف التي فضحها النص، فهي:

مبدئياً، الرواية لا تتحدث عن جفاف الأرض فقط، بل إن الكريني يكشف عن أربعة أصناف من القحط:

▪️ جفاف مائي: البئر الجافة، الزرع المحروق، موت البهائم.
▪️ جفاف عاطفي: غياب الأب، صمت الأم، قسوة الفقيه.
▪️ جفاف معرفي: المدرسة البعيدة، الكتاب الممزق، العصا بديل الحوار.
▪️ جفاف سياسي: الشيخ والمقدم، وعود الانتخابات، التهميش الممنهج.

هذا هو الهامش عارياً؛ ليس فقط بلا ماء، بل بلا حنان، بلا كتاب، بلا صوت.

من خلال هذا التقديم الدال والموحي، يبدو أن إدريس الكريني لا يكتب ليواسي أبناء الهامش، بل يكتب ليعرّي من همّشهم.

"طفولة بلا مطر" ليست شكوى، بل لائحة اتهام، فالكاتب يزيح اللثام عن وجهنا نحن، القراء المدينيين، لنرى ما سكتنا عنه طويلاً. والمطر الذي ننتظره في آخر الرواية لن يأتي من السماء، بل يجب أن نصنعه نحن: مطر العدالة المجالية، ومطر الكرامة الثقافية.

إذن، [إدريس الكريني حين يكشف عن جفاف الهامش، فهو في العمق يكشف عن جفاف ضمير المركز].

قراءة سيميائية في مفهوم "المطر":

1. المطر كدالّ طبيعي: المستوى المرجعي

في المستوى الأول، يحيل المطر على المدلول الواقعي المباشر: غياب التساقطات، الجفاف، القحط الزراعي. هنا يشتغل "المطر" كعلامة أيقونية على كارثة إيكولوجية. البئر الجافة، الأرض المتشققة، الزرع المحروق، كلها متواليات أيقونية تعزز دالّ "اللاّمطر". القارئ هنا أمام نص توثيقي للهامش المغربي في سنوات الجفاف.

2. المطر كدالّ نفسي: استعارة الحرمان

ينتقل المطر إلى مستوى إيحائي مجازي ليصبح دالاً على اليتم الوجداني. الطفل في الرواية "بلا مطر" لأنه بلا أب، بلا سند. السماء التي لا تمطر هي استعارة للأب الغائب الذي لا يحمي ولا يعيل. كل بكاء صامت للطفل هو استسقاء مؤجل. المطر هنا علامة رمزية على الحاجة إلى الأب، وتحديداً إلى الحنان الأبوي. غيابه ينتج طفولة "يابسة" نفسياً، متشققة كالأرض.

3. المطر كدالّ سياسي-اجتماعي: علامة التهميش

في المستوى الأعمق، يتحول "اللاّمطر" إلى علامة إشارية على غياب الدولة. المطر في المخيال المغربي مرتبط بالخير والسلطان. السلطان "يستسقي" للناس، وحين لا يهطل المطر، فهذا دليل على "غضب السماء" أو "غضب المخزن". الكريني يقلب المعادلة: غياب المطر ليس غضباً إلهياً، بل علامة على غياب "مطر التنمية". القايد، الشيخ، المنتخب، كلهم "سحب عابرة" لا تمطر على الدوار. الجفاف هنا دالّ على جفاف سياسات العمق.

4. المطر كدالّ معرفي: الحبر بديلاً للماء

هنا يصل الكريني إلى ذروة اللعب السيميائي. في عالم بلا مطر، يخترع الطفل مطراً بديلاً: الحبر. الكتاب المدرسي، حكايات الجدة، القصاصات التي يجدها؛ كل حرف يقرأه هو قطرة. المطر يتحول من دالّ سماوي إلى دالّ ثقافي. الكتابة نفسها تصبح طقس استسقاء. الرواية كلها "صلاة استسقاء" بالحبر بدل الماء. وهذا هو رهان الكريني: إذا كان المركز يمنع عنا المطر، فسنصنع مطرنا الخاص من الكلمات.

5. بنية التقابل: المطر مقابل اليابسة

النص كله مبني على ثنائية سيميائية حادة:

الدالّ مقابل المدلول المضاد:

  • المطر مقابل اليابسة
  • السماء مقابل الأرض
  • الأب مقابل اليتم
  • الدولة مقابل الهامش
  • الكتاب مقابل الجهل
  • الحياة مقابل الموت البطيء

إن غياب "المطر" يفعّل كل هذه التقابلات. العنوان نفسه "طفولة بلا مطر" هو إعلان عن اختلال سيميائي: طفولة ضد طبيعتها. فالطفولة أصلاً هي "مطر" الإنسان.

ختاماً، في سيمياء الكريني، "بلا مطر" ليست وصفاً، بل احتجاج. الغياب يصبح العلامة الأقوى حضوراً. القارئ لا يرى المطر في الرواية، لكنه لا يفكر إلا فيه. وهذا هو نجاح النص، لأنه جعلنا عطشى للمطر، تماماً مثل طفله السارد.

صفوة القول: "طفولة بلا مطر" تقول لنا إن أخطر جفاف ليس الذي يصيب الأرض، بل الذي يصيب المِخيال، ومهمة الأدب هي أن يمطر في الصحراء.

تعليقات