■ أصداء
الفكر
لم يكن مساء الأحد 10 ماي 2026 يوماً عادياً في العاصمة المغربية الرباط.
فمع إسدال الستار على الدورة الحادية والثلاثين من المعرض الدولي للنشر والكتاب،
بدا المشهد وكأن المدينة تودّع موسماً كاملاً من الحكايات، لا مجرد تظاهرة ثقافية
عابرة. في فضاء OLM السويسي، حيث تعاقبت خلال عشرة أيام وجوه الكتّاب والناشرين والقرّاء،
اختلطت في اللحظات الأخيرة رائحة الورق بصخب الوداع، وتحولت الممرات التي كانت تعج
بالحشود إلى ذاكرة مفتوحة على أسئلة الثقافة والكتاب ومستقبل القراءة.
جاء اختتام دورة 2026 مختلفاً هذه السنة، لأن الرباط لم تكن فقط مدينة
تحتضن معرضاً دولياً، بل كانت تحمل أيضاً لقب “العاصمة العالمية للكتاب” بتتويج من
منظمة اليونسكو، وهو ما منح الحدث بُعداً رمزياً وثقافياً أكبر. وقد انعكس ذلك على
حجم المشاركة الدولية الواسعة، إذ شهد المعرض حضور مئات العارضين من عشرات الدول،
مع برنامج ثقافي كثيف ضم ندوات فكرية ولقاءات أدبية وورشات للأطفال واحتفاءات
بأسماء أدبية وفكرية من المغرب والعالم.
ومنذ افتتاحه أواخر أبريل، بدا واضحاً أن الدورة الحالية تراهن على
استعادة العلاقة الحميمة بين الإنسان والكتاب، في زمن تبتلع فيه الشاشات تفاصيل
الحياة اليومية. لم يكن الزوار يبحثون فقط عن أحدث الإصدارات، بل عن لحظة إنسانية
مختلفة؛ لحظة تسمح لهم بأن يعبروا بين رفوف الكتب كما يعبر المسافر بين المدن
القديمة.
وفي يوم الاختتام، حافظ المعرض على حيويته حتى ساعاته الأخيرة. عائلات
كاملة جاءت لاقتناء ما تبقى في قوائمها من كتب، طلبة يحملون أكياساً مثقلة
بالروايات والدراسات، أطفال يلتقطون صورهم الأخيرة أمام الأروقة الملونة، وناشرون
يطوون أياماً من التعب واللقاءات والأسئلة والآمال. كان واضحاً أن المعرض لم يعد
مجرد سوق للكتاب، بل صار موعداً اجتماعياً وثقافياً ينتظره المغاربة كل عام بشغف
متزايد.
ولعل أكثر ما ميّز دورة 2026 هو هذا المزج بين البعد المحلي والانفتاح
الدولي. فالرباط بدت خلال المعرض مدينة تتحدث بلغات متعددة، لكنها تنصت للكتاب
باللغة نفسها. من جلسات الفكر والفلسفة، إلى أمسيات الشعر والسرد، مروراً ببرامج
الطفل والوسائط الرقمية، حاول المعرض أن يمنح الثقافة شكلاً حياً وقريباً من
الناس، بعيداً عن النخبوية المغلقة.
ورغم انتهاء الدورة، فإن أثرها سيبقى ممتداً في ذاكرة القرّاء والمهتمين،
خاصة مع الأرقام الكبيرة للمشاركات والفعاليات الثقافية التي احتضنتها العاصمة
خلال الأيام الماضية. كما رسّخت هذه الدورة مكانة الرباط باعتبارها واحدة من أهم
العواصم الثقافية العربية والإفريقية في مجال صناعة الكتاب والنشر.
هكذا أغلقت أبواب المعرض مساء الأحد، لكن شيئاً ما ظل مفتوحاً في
المدينة: شهية القراءة، وحنين الناس إلى الكتاب، وإيمان المثقفين بأن الثقافة ما
تزال قادرة على جمع هذا العالم المتعب حول فكرة بسيطة… أن كتاباً واحداً قد يغيّر
حياة كاملة.

