أصداء الفكر
لم يكن نبيل لحلو مجرد اسمٍ عابر في تاريخ المسرح المغربي، بل كان حالة فنية
وفكرية نادرة، اختارت أن تسير عكس التيار، وأن تجعل من الخشبة مساحةً للأسئلة لا للفرجة
السطحية، ومن السينما أداةً لخلخلة الواقع لا لتلميعه. وبرحيله صباح الخميس 7 ماي
2026، يفقد المغرب واحدًا من أكثر مبدعيه إثارة للجدل، وجرأةً في الطرح، ووفاءً للفن
بوصفه موقفًا وجوديًا قبل أن يكون مهنة (1).
ولد نبيل لحلو بمدينة فاس سنة 1945، وانخرط مبكرًا في عالم المسرح، قبل أن
يتحول إلى أحد أبرز رموز الإخراج المسرحي والسينمائي بالمغرب خلال سبعينيات وثمانينيات
القرن الماضي. غير أن ما ميّزه لم يكن فقط كثافة أعماله، بل طبيعة اختياراته الفنية
التي اتسمت بالتمرّد والتجريب والابتعاد عن القوالب الجاهزة (2).
كان لحلو يؤمن بأن المسرح ليس للتسلية العابرة، بل لمساءلة الإنسان والسلطة
والمجتمع. لذلك جاءت أعماله حادة، مثقلة بالرموز، ومشبعة بروح النقد. لم يكن يهادن
الذوق السائد، ولم يسعَ إلى الشعبية السهلة، بل ظل وفيًا لمشروعه الفني حتى النهاية،
وهو ما جعله يحظى باحترام النقاد والمثقفين، حتى من اختلفوا معه (3).
في السينما أيضًا، ترك بصمة خاصة عبر أفلامٍ أصبحت جزءا من الذاكرة الفنية
المغربية، من بينها "إبراهيم ياش"، و"الحاكم العام"، و"ليلة
القتل"، و"سنوات المنفى"، و"القنفودي"، وهي أعمال اتسمت بلغتها
البصرية المختلفة وجرأتها الفكرية (4).
لم يكن نبيل لحلو فنانًا هادئًا أو متصالحًا مع المؤسسات الثقافية دائمًا،
بل ظل طوال مساره مشاغبًا ثقافيًا بامتياز. كان يكتب بحدة، وينتقد بجرأة، ويخوض معاركه
الفكرية دون حسابات. وحتى في أيامه الأخيرة، ظل منشغلًا بالشأن الثقافي المغربي، مدافعًا
عن قداسة الفن في مواجهة ما كان يسميه البزنس المسرحي (5).
رحل لحلو عن عمر ناهز 81 عامًا، بعد معاناة مع المرض، بإحدى المصحات الخاصة
بمدينة الرباط، تاركًا وراءه إرثًا فنيًا وفكريًا يصعب اختزاله في أعمال أو جوائز.
لقد كان من آخر الفنانين الذين تعاملوا مع المسرح باعتباره قضية، لا مجرد مهنة
(6).
إن الحديث عن نبيل لحلو ليس رثاء لفنان، بل استحضارٌ لمرحلة كاملة من الثقافة
المغربية، كان فيها الإبداع مشروعًا فكريا، وكانت الخشبة مكانًا لقول ما لا يُقال.
وبرحيله، يُطوى فصلٌ من أكثر فصول المسرح المغربي جرأةً وخصوصية.
المصادر:
(1) وزارة الشباب والثقافة والتواصل المغربية https://mjcc.gov.ma
(2) ويكيبيديا
(3) https://ar.le360.ma/culture
(4) مشاهد24: https://machahid24.com/panorama
(5) السؤال الآن – منصة إلكترونية مستقلة: https://assoual.com
(6) وزارة الشباب والثقافة والتواصل المغربية https://mjcc.gov.ma
