سمية مسرور | المغرب
ليس من السهل أن نكتب عن صوتٍ أصبح جزءًا من ذاكرة وطن، ولا أن نختزل مسيرةٍ
امتدت لعقود في كلماتٍ عابرة. فبعض التجارب لا تُروى بوصفها أحداثًا، بل تُستعاد بوصفها
أثرًا… أثرًا يظل حاضرًا في الوجدان، حتى بعد أن يخفت صدى الزمن، وفي هذا التوقيت الرمزي
من شهر ماي، حيث يتجدد الاحتفاء بالذاكرة والمعنى، تتقاطع هذه القراءة مع لحظة إنسانية
خاصة، تحمل دلالة أعمق من مجرد المصادفة الزمنية، إذ يطل في هذا الشهر اسم الإعلامية
القديرة حصة العسيلي في سياق يجمع بين التقدير المهني والاحتفاء الرمزي بمسارٍ ممتد،
شكّل جزءًا من ذاكرة الإعلام الوطني والإقليمي.
في هذا الأفق، يأتي كتاب "أم الإعلام الإماراتي – حصة العسيلي"
ليعيد طرح سؤال جوهري: كيف يُصنع الصوت الأول؟ وكيف تتحول الكلمة من مجرد أداة إلى
مسؤولية تاريخية؟
إننا أمام عمل لا يكتفي بتأريخ مسار الإعلامية القديرة حصة العسيلي، بل ينصت
إلى ما وراء السيرة؛ إلى تلك اللحظة التي التقى فيها الإعلام بالهوية، والصوت بالانتماء،
والبدايات الفردية بمشروع وطن في طور التشكل.
وبهذا المعنى، لا يُقرأ هذا الكتاب كسيرة شخصية فقط، بل كنص يؤسس لذاكرة إعلامية
عربية، ويعيد الاعتبار لمرحلة كان فيها الصوت يُبنى بصدق، ويُحمل بوصفه أمانة… وهو
ما تجسد بوضوح في تجربة الإعلامية القديرة حصة العسيلي، التي لم تكن مجرد شاهدة على
البدايات، بل كانت إحدى صانعاتها.
وفي امتداد هذا المعنى، يأتي نشر هذه القراءة في شهر ماي ليحمل بعدًا رمزيًا
لطيفًا، يتقاطع فيه التوثيق مع التقدير، والكتابة مع الامتنان، في لحظة تُستعاد فيها
سيرة إعلامية صنعت حضورها بهدوء الكبار، وبأثر لا يزال ممتدًا في الذاكرة الإعلامية.
البدايات الأولى… من فريج السودان إلى صوت الوطن
وُلدت الإعلامية القديرة حصة العسيلي عام 1950 في فريج السودان قرب حصن الشيوخ
في الشارقة، في بيئة اجتماعية متجذرة في التاريخ المحلي والتجارة والعلم. نشأت في بيت
أسري عُرف بالمعرفة والتقاليد، ما منحها منذ الطفولة الأولى حسًا مبكرًا بالمسؤولية
والانتماء.
لم تكن بدايتها سهلة؛ فقد واجهت الإعلامية القديرة حصة العسيلي ظروفًا عائلية
صعبة مبكرًا بعد فقدان والدتها وتعثر والدها الصحي، ما جعلها تدخل سوق العمل في سن
الخامسة عشرة. غير أن هذا التحول المبكر لم يكن انكسارًا، بل كان نقطة انطلاق نحو تجربة
استثنائية ستجعل من صوتها أحد أوائل الأصوات النسائية في الإعلام الإماراتي.
وفي عام 1965، بدأت الإعلامية القديرة حصة العسيلي رحلتها مع إذاعة
"صوت الساحل"، حيث كانت توازن بين الدراسة والعمل، لتقدم برامج إذاعية ونشرات
أخبار وبرنامج "ما يطلبه المستمعون"، في تجربة مبكرة صنعت ملامح حضورها الإعلامي
الأول.
من التوثيق إلى الذاكرة: كتابة من الداخل
تقدم الدكتورة عائشة البوسميط في هذا العمل تقدم يتجاوز سيرة السياق التقليدي،
حيث لا تكتفي بتتبع المسار الزمني للإعلامية القديرة حصة العسيلي، بل تغوص في عمق التجربة،
وتعيد بناءها من الداخل.
فالكاتبة والإعلامية الدكتورة عائشة البوسميط ، وهي ابنة المدرسة الإذاعية
التي أرستها الإعلامية القديرة حصة العسيلي، تكتب من موقع القرب، لا من مسافة الحياد،
وهذا ما يمنح النص حرارة إنسانية ووجدانية عالية، ويحوّله إلى شهادة نابضة، تتقاطع
فيها الذاكرة الشخصية مع الذاكرة الجماعية.
ويظهر هذا التميز في قدرة الكتاب على الجمع بين الوثيقة والسرد، بين الصورة
والشهادة، وبين التحليل والتأمل، في بناء نص غني يتجاوز حدود التوثيق.
من المحلية إلى العالمية: تمثيل بحجم وطن
لم تتوقف تجربة الإعلامية القديرة حصة العسيلي عند حدود الإعلام التقليدي،
بل امتدت إلى فضاءات التمثيل الدولي، حيث لعبت دورًا بارزًا في التعريف بدولة الإمارات
في المحافل العالمية.
وقد شكّل تولي الإعلامية القديرة حصة العسيلي منصب "مفوض عام" في
الإكسبو العالمي، كأول امرأة عربية في هذا الموقع، محطة فارقة تعكس حجم حضورها، وثقة
وطنها في كفاءتها.
وفي هذا الإطار، لا يُقرأ هذا الإنجاز بوصفه نجاحًا فرديًا فحسب، بل كامتداد
لمسار طويل من العمل الجاد، وتجسيد لحضور المرأة العربية في مواقع القرار.
"أم الإعلام": لقب يختصر مسارًا تأسيسيًا
يمنح الكتاب أهمية خاصة للقب "أم الإعلام"، الذي ارتبط باسم الإعلامية
القديرة حصة العسيلي، باعتباره تعبيرًا عن دورها التأسيسي في بناء تجربة إعلامية قائمة
على القيم.
فقد أسهمت الإعلامية القديرة حصة العسيلي في ترسيخ مفهوم الإعلام كرسالة،
تقوم على الصدق والمسؤولية، وتخاطب عقل المتلقي قبل عاطفته.
ومن خلال هذا الدور، أصبحت الإعلامية القديرة حصة العسيلي مرجعًا مهنيًا وإنسانيًا،
أسهم في تكوين أجيال من الإعلاميين الذين استلهموا من تجربتها معنى الالتزام.
بين الوثيقة واللغة الرفيعة
يتميّز الكتاب بلغة تجمع بين الدقة التوثيقية والحس الأدبي، حيث حرصت الكاتبة
الإعلامية الدكتورة عائشة البوسميط على تقديم نص متوازن، لا يفقد صرامته، وجماليته
في نفس الوقت.
وفي هذا السياق، تتحول الإعلامية القديرة حصة العسيلي إلى أكثر من شخصية تُروى
سيرتها، و بل رمزًا دلاليًا لصوت الوطن، وصورة مكثفة لذاكرة إعلامية نسائية تأسيسية
لحضور النساء والرجال في الإعلام .
كما يعتمد النص على تقنيات سردية حديثة، من بينها كسر التسلسل الزمني، والانتقال
بين المحطات وفق رؤية تحليلية، ما يمنح القراءة عمقًا وتنوعًا.
سيرة تتقاطع مع تاريخ وطن
لا يمكن فصل تجربة الإعلامية القديرة حصة العسيلي عن السياق الوطني الذي نشأت
فيه، إذ تتداخل مسيرتها مع المراحل التأسيسية لتشكّل دولة الإمارات العربية المتحدة،
ومع التحولات الكبرى التي شهدتها المؤسسات الإعلامية في بداياتها الأولى. فالسيرة هنا
لا تُقرأ كمسار فردي منعزل، بل كجزء من نسيج وطني أوسع، كان فيه الإعلام أحد أدوات
بناء الوعي وترسيخ الهوية.
وفي هذا الإطار، تتحول سيرة الإعلامية القديرة حصة العسيلي إلى أكثر من مجرد
توثيق لمسار مهني؛ إنها وثيقة حية تعكس دينامية مجتمع في حالة تشكل، وتؤرخ لمرحلة كان
فيها الصوت الإعلامي مسؤولًا عن نقل ملامح التحول الاجتماعي والثقافي، وعن مواكبة نهضة
الدولة في مختلف مستوياتها. كما تكشف هذه السيرة عن حضور المرأة في لحظة تاريخية مفصلية،
لم يكن فيه هذا الحضور مجرد مشاركة، بل مساهمة فعلية في صياغة المشهد العام وبناء الوعي
الإعلامي الأول.
وهكذا، تكون تجربة الإعلامية القديرة حصة العسيلي مرآة مزدوجة: تعكس مسار
وطن يتقدم بثبات، كما تعكس في الوقت ذاته تطور الإعلام من ممارسة بسيطة إلى مؤسسة فاعلة
في تشكيل الرأي العام وتأسيس الوعي لدى الناس.
الكتاب كفعل ثقافي… ومقاومة للنسيان
لا يكتفي هذا العمل بتوثيق مسار الإعلامية القديرة حصة العسيلي بوصفه سيرة
مهنية، بل يتجاوزه إلى فعل ثقافي واع.
ومن هنا، يكتسب الكتاب بعدًا يتجاوز حدود السرد التقليدي، ليصبح ممارسة ثقافية
تستعيد الاعتبار لتجارب رائدة أسهمت في تشكيل الوعي الإعلامي العربي والمحلي في مراحله
الأولى ومراحله المتغيرة إنه نوع من "المقاومة الرمزية للنسيان"، حيث يُعاد
تثبيت إحياء الذاكرة وتخليد سير أسست وعلى ثقلها حملت البدايات.
وفي هذا السياق، تتحول سيرة الإعلامية القديرة حصة العسيلي إلى نموذج مركزي
داخل هذه الذاكرة المستعادة، ليس فقط لأنها تجربة فردية فرضت الحضور والنجاح، بل لأنها
تمثل جيلًا كاملًا من الرواد الذين أسسوا للإعلام الإماراتي بمفهومه القيمي والرسالي،
في وقت كان فيه الحضور الإعلامي مرتبطًا بالمسؤولية قبل الانتشار، وبالأثر قبل الظهور.
إرث ممتد… وأثر يتجاوز الزمن
في محصلته النهائية، يقدّم هذا الكتاب سيرة إعلامية بالمعنى التقليدي، بل
يقدّم معها قراءة أوسع في معنى الإعلام ذاته: بوصفه مسؤولية أخلاقية، ورسالة معرفية،
وأداة لبناء الوعي قبل أن يكون وسيلة لنقل الخبر، إنه عمل يعيد التفكير في وظيفة الإعلام،
وفي القيم التي ينبغي أن تحكم حضوره وتأثيره داخل المجتمع.
وتبقى الإعلامية القديرة حصة العسيلي، كما يرويها هذا العمل، نموذجًا للإعلامي
الذي استطاع أن يجمع بين المهنية الصارمة والإنسانية العميقة، وحب الوطن والأمومة التعليمية
للأجيال الإعلامية وبين قوة الحضور وصدق الأثر. فهي ليست مجرد اسم في أرشيف الإعلام،
بل تجربة ممتدة تركت بصمتها في الذاكرة، وأسهمت في تشكيل وعي إعلامي قائم على الالتزام
والاحترام والمسؤولية.
وهكذا، يتجاوز أثر هذا الكتاب حدود التوثيق إلى فضاء أرحب، حيث تتحول السيرة
إلى معنى، والتجربة إلى مرجع، والإرث إلى قيمة ممتدة لا تقاس بزمن، بل بقدرتها على
الاستمرار في الإلهام والتأثير.
في نهاية هذه القراءة، لا تبدو الإعلامية القديرة حصة العسيلي مجرد اسم في
تاريخ الإعلام، بل تجربة حيّة، تختزل معنى الالتزام، وعمق الانتماء، وجمال العطاء الصامت.
هي لم تكن تبحث عن الضوء… لكنها كانت الضوء نفسه.
