عبد اللطيف مبارك | مصر
لم يكن "عاصم" يكره الشمس؛ بل كان يجدها
ببساطة متطفلة. بالنسبة له، كان عالم الأحياء عبارة عن ضجيج من الأكاذيب والمطالب
والمشاعر المرهقة. كان يفضل المملكة القابعة تحت الأرض؛ مشرحة "مستشفى القصر
القديم"، حيث تطن أضواء النيون المرتعشة بنغمة رتيبة يمكن التنبؤ بها.
في القبو، لم يكن هناك إطلاق أحكام. كان سكان
الخزائن الفولاذية الباردة هم الرفقاء المثاليين: مستمعون بارعون، ولا يرحلون
أبداً بشكل مفاجئ — على الأقل، ليس قبل وصول تصاريح الدفن. كان زملاؤه يلقبونه
بـ"عاشق الموتى" من وراء ظهره، ساخرين من الطريقة التي يتناول بها غداءه
متكئاً على وحدات التبريد. لم يكترث عاصم؛ فقد كان يؤمن بأن كل جسد هو كتاب مفقود
الفصل الأخير، وأنه الوحيد الذي يملك الصبر لقراءته في شحوب بشرتهم.
في يوم ثلاثاء من شهر يناير، غمرته الأمطار، انفتح
البابان المزدوجان الثقيلان لاستقبال ضيفة جديدة. كان اسمها "ليلى".
وعلى عكس القادمين المعتادين — الذين شوهتهم الحوادث أو أذبلهم المرض — بدت ليلى
وكأنها توقفت عن التنفس في منتصف الشهيق فحسب. كانت في أوائل العشرينيات، بشرتها
بلون القشطة، وشعرها كنهر من الأبنوس.
غمغم المسعف وهو يسلم عاصم الأوراق:
"انتحار... مهدئات. من المؤسف حقا أن ينتهي الحال بشخص بهذا الجمال هكذا".
عندما انغلق البابان وعاد الصمت، لم يدفعها عاصم
إلى الرف رقم (402). بدلاً من ذلك، سحب كرسيه الخشبي، وأمضى الليل يمشط شعرها
بأصابعه، ويهمس لها عن قسوة العالم الذي فرت منه.
انصهرت الأيام في خط زمني واحد متجمد. بدأ عاصم
بالبقاء طويلاً بعد انتهاء مناوبته. أنفق راتبه الهزيل على عطور فرنسية باهظة،
يرشها في الهواء حول ليلى حتى لا تضطر لشم واقع المشرحة المطهر. كان يحضر لها
الزهور — ليس تلك الطازجة من بائع الزهور، بل زنابق ذابلة جمعها من حدائق المستشفى.
كان يهمس في أذنها الباردة: "الأحياء يحبون
الأشياء التي تنمو... لكننا ندرك جمال الأشياء التي أنهت صراعها".
وفي خضم ذهانه المتزايد، بدأ عاصم يرى حركة حيث لا
يوجد شيء. تخيل التواءً طفيفاً في شفتيها عندما يدخل الغرفة، تحية صامتة من امرأة
فهمت أخيراً وحدته.
بحلول الأسبوع الثاني، تغير الجو في المشرحة. شعر
عاصم بتوتر متزايد ينبعث من الخزائن الأخرى. الرجل العجوز الذي مات بسكتة دماغية،
والطفل ضحية حادث السير، والمرأة التي قتلها زوجها — بدا أنهم جميعاً يهتزون بغيرة
باردة وجوفاء.
لم يعد الصمت مسالماً؛ بل صار يحمل حكماً عليه. شعر
بمئات العيون التي لا تبصر تراقبه من خلال الأبواب الفولاذية، ساخرة من تفانيه
لـ"الفتاة الجديدة". بدت الظلال في زوايا الغرفة وكأنها تمتد نحو ليلى،
كما لو كانت تحاول انتزاعها من رعايته الهوسية.
تحطم الوهم عندما دخل رئيس الأطباء الشرعيين لإجراء
تشريح مفاجئ في وقت متأخر من الليل. وجد عاصم منحنياً فوق طاولة الفحص، يربط عقداً
رخيصاً من اللؤلؤ حول عنق ليلى وهو يدندن تهويدة.
صرخ الطبيب: "عاصم! ماذا تفعل بحق الله؟"
تم فصل عاصم على الفور، واقتاده الأمن إلى الخارج.
لكن رابطة المحب لا تقطعها إخطارات الموارد البشرية. في تلك الليلة، وبدافع من
حاجة جنونية "لإنقاذها" من مبضع التشريح، تسلل عاصم عائداً عبر نافذة
القبو الصغيرة.
كانت المشرحة متجمدة — أبرد مما كانت عليه في أي
وقت مضى. اندفع نحو رف ليلى، لكن الطبيعة كانت قد بدأت عملها المحتوم. كانت البشرة
الخزفية تزداد قتامة؛ ورائحة العطر العذبة تخسر معركتها ضد مرارة التحلل الزاحفة.
انتحب عاصم وهو يسحب جسدها المتصلب نحوه: "لن
أسمح لهم بأخذكِ".
وبينما كان يحاول رفعها، داهم صدره برد مفاجئ
وطاغٍ. لم يكن برد الغرفة، بل صقيعاً ينبعث من داخل قلبه. انهار فوق الطاولة
المعدنية، متشابكاً مع جسدها.
في لحظاته الأخيرة، شعر بيد — باردة وصلبة — تطبق
على يده. رفع نظره ليرى عيني ليلى. كانت مفتوحتين الآن، ككرتين زجاجيتين غائمتين.
لم تكن نظرة حب، بل نظرة "تجنيد". الموتى لا يحبون؛ هم فقط يتوقون
للصحبة.
عثرت مناوبة الصباح عليهما معاً. كان عاصم مستلقياً
بلا حراك بجانب ليلى، وعلى شفتيه الزرقاوين ارتسمت ابتسامة هادئة ومرعبة. ذكر
التقرير الطبي أن الوفاة كانت سكتة قلبية مفاجئة، ناجمة على الأرجح عن التوتر
والإرهاق.
اليوم، تملك مشرحة "القصر القديم" سمعة
جديدة. يرفض المساعدون الجدد العمل في نوبة الليل بمفردهم؛ فهم يزعمون أنك إذا
وقفت ساكناً تماماً بالقرب من الرف (402)، يمكنك سماع صوت خافت لرجل يهمس بالشعر،
وصوت انزلاق معدني مميز لخزانة تفتح... من الداخل.
لقد حصل "عاشق الموتى" أخيراً على وظيفته
الدائمة.
