أمل الطريبق | المغرب
"الثقافة الحسانية، أو ما يعرف بثقافة
البيظان، هي نظام متكامل من تفاعلات تراثية وأنثروبولوجية، وعلاقات اجتماعية،
وتشكيلات فنية، وطقوس وعادات راسخة في جنوب المغرب."
رفعت المرأة المغربية لواء الشعر عاليًا في
الصحراء المغربية كأداة للتعبير عن الذات وما يخالج النفس من أحلام ورؤى، وما
تختزنه الذاكرة من أفكار وأحداث، مساهمة في تشكيل التراث الحساني والثقافة
الشعبية، إذ عكس الشعر صور ومظاهر الحياة بالصحراء، ورصد الغنى الثقافي الوطني
فيما يتعلق بالرافد الحساني.
ومن بنات الصحراء اللواتي بحثن في هذا المضمار
بكل جدية وأمانة علمية، نذكر الأكاديمية والدكتورة الباحثة العالية ماء العينين،
من خلال دراساتها وأبحاثها القيمة التي شرعت في حفرياتها في التراث الحساني منذ
سنة 2000، بشعر التبراع: "نساء على أجنحة الشعر".
تنتمي العالية ماء العينين إلى أسرة مغربية
عريقة معروفة بالعلم والأدب والدفاع عن حوزة الوطن ونشر الإسلام بالصحراء، وحتى في
أفريقيا. فوالدها كان قاضيًا ومثقفًا، يحرص على إغناء ما كتبته بالكتب القيمة التي
يضعها رهن الطفلة العالية، التي كانت تقبل عليها بنهم وشغف. وتذكر أنها، في هذه
السن المبكرة، كانت تحلم بأن تصبح كاتبة ومدرسة، وبعملها الدؤوب واجتهادها بلغت
طموحها، وأصبحت كاتبة معروفة على الصعيد الوطني والعربي، كما عملت أستاذة جامعية،
بادلها طلبتها حبًا بحب وتقديرًا بتقدير.
وكما أشرت، فالعالية ماء العينين عرفت بتنقيبها
عن التراث الحساني، وخاصة شعر التبراع، والتبراع هو شعر الغزل الذي يعبر عن حب
وإعجاب المرأة العاشقة بالرجل المعشوق. أما مجال الثقافة الحسانية فهو ذلك الفضاء
الشاسع الذي يمتد من وادي نون شمالًا إلى حدود نهر السنغال جنوبًا، ومن المحيط
الأطلسي غربًا إلى مالي شرقًا. والبيظاني هو ذلك الشخص الذي يتكلم اللهجة
الحسانية، ويرتدي زيًا مميزًا، وله هوية خاصة بالمعنى الأنثروبولوجي تميزه عن
الساكنة المجاورة.
وقد ركزت الباحثة على النساء الصحراويات لإبراز
الخصوصية الثقافية بمجتمع البيظان، فمثلًا النساء لا يحتجبن. يقول الشيخ محمد
الإمام: "والأغلب في نساء القطر عدم الاحتجاب، والأغلب فيهن العفة وعزوف
النفس عن الفاحشة طبعًا، أما نساء الزوايا فكثير منهن يحتجب تدينًا وصونًا لأنفسهن
عن الابتذال، والأكثر خلاف ذلك كما قلنا، غفر الله تعالى لنا ولهم".
وأشار ابن بطوطة في القرن الثامن الهجري، حين
زار مضارب صنهاجة: "وأما نساؤهم فلا يحتشمن من الرجال، ولا يحتجبن مع
مواظبتهن على الصلوات".
ومقياس جمال المرأة عند مجتمع البيظان يكمن
ويبتدئ من الجسد الممتلئ: "اشنبت جفتها"، أي: كيف هو جسدها؟ ويحضر الجسد
كاملًا أو جزئيًا في التبراع، وله قوة كامنة فاتنة تجلب العاشق، ويطلق على هذا
الجسد ذي الطاقة الجالبة "إبليس". وتستدل باحثتنا على ذلك بالشعر الذي
يمثل قريحة صحراويات مجهولات يتغزلن بالرجال، وللإشارة فشعر التبراع لا يوقع، ذلك
أن قائلته مجهولة.
شيطان يتجب لابس جلابي حب
أي:
شيطانه يطل في جلباب جميل.
عندو تبسيمة بنى فيها إبليس خويمة
أي:
له ابتسامة بنى فيها إبليس خيمته.
ومن العادات الشائعة في مجتمع البيظان: التفداع
والبلوح. والتفداع تسمينها وهي طفلة، والبلوح تسمينها وتدليكها وهي شابة مقبلة على
الزواج، لأن مقياس الجمال هو الجسد الممتلئ المثير للإعجاب.
والمرأة في هذا المجتمع قوية الشخصية، عزيزة
النفس، لا تقبل بالتعدد، إذ تشترط على زوجها أن تكون بمفردها في حياته: "لا
سابقة ولا لاحقة"، وإذا حدث فأمرها بيدها.
هذه بعض المظاهر والصور التي استقتها الدكتورة
الباحثة العالية ماء العينين من شعر التبراع والتراث الحساني، باعتباره مكونًا
أساسيًا من مكونات الثقافة المغربية المتعددة الروافد والمتنوعة الهويات شمالًا
وجنوبًا ووسط المملكة المغربية، في إطار من التوافق والتناغم والوحدة والتماسك.
