حسن امحيل | المغرب
يطفو سؤالٌ قديم بصيغة جديدة: من يصنع الرأي العام اليوم؟ أهو المثقف الذي
تشكّلت ملامحه في فضاء الكتاب والجامعة والندوة، أم “المؤثر” الذي يتكئ على خوارزميات
المنصات ويقيس حضوره بعدد المتابعين؟
لم يعد المجال العمومي كما تصوّره الفلاسفة؛ فقد انتقل جزء كبير منه إلى شاشات
الهواتف، حيث تتحكم المنصات في إيقاع النقاش، وتعيد ترتيب الأولويات وفق منطق الانتشار
لا وفق منطق القيمة. هنا، يغدو الصوت الأعلى هو الأسرع وصولا، لا الأعمق أثرا. تتقلص
المسافة بين الرأي والانفعال، وتُختصر القضايا المركبة في مقاطع خاطفة.
لكن هل يعني ذلك أفول دور المثقف؟ ليس تماما. فالتأثير ليس مرادفا للضجيج،
والريادة ليست حكرا على من يتصدر “الترند”. المثقف، في جوهره صانع أسئلة ومُربك يقينيات.
إن وظيفته التاريخية كانت دائما مساءلة السائد، لا ممالأته؛ توسيع أفق الفهم، لا تضييقه
في قوالب جاهزة.
المعضلة الحقيقية تكمن في الصمت الاختياري الذي قد يلجأ إليه بعض المثقفين
بدعوى التعالي على “تفاهة” المنصات. ذلك الصمت يترك فراغا سرعان ما يملؤه خطاب سريع،
شعبوي أحيانا، لا يملك أدوات التحليل بقدر ما يملك مهارات الجذب. في المقابل، يمكن
للمثقف أن يعيد تعريف حضوره: أن يستثمر الوسائط الجديدة دون أن يستسلم لمنطقها، وأن
يحافظ على العمق في زمن السطحية.
لسنا أمام معركة بين المثقف والمؤثر، بل أمام تحول في أدوات التأثير. الرهان
اليوم هو أن يستعيد المثقف صلته بالناس، لا من برج عاجي، بل من قلب النقاش اليومي.
فحين يتكلم بوضوح ومسؤولية، يصبح صوته ضرورة لا بهرجة، ويغدو تأثيره أبطأ ربما، لكنه
أبقى.

