📁 تدوينات جديدة

160 قلب… حين يتحوّل الإحساس إلى عرضٍ حيّ على الركح | أميرة فهري

160 قلب… حين يتحوّل الإحساس إلى عرضٍ حيّ على الركح | أميرة فهري
 أميرة فهري | تونس

في مساءٍ ثقافي استثنائي، يفتح المسرح البلدي بالعاصمة أبوابه لاحتضان تجربة فنية مختلفة، تحمل عنوان: «160 قلب… حكاية وحدة – من الدمع يولد الأمل». عرض لا يقدّم مجرد لوحات مسرحية، بل ينسج حكاية إنسانية نابضة، تقودها مربّيات الطفولة بأحاسيسهنّ الصادقة وتفانيهنّ اليومي.

هذا المشروع الفني هو ثمرة فكرة أبدعها محرز الفرشيشي، الذي اختار أن يحوّل العمل التربوي الصامت إلى خطاب فني مرئي ومؤثر. لم تكن الفكرة مجرد عرض، بل مغامرة إبداعية امتدت لأكثر من ثلاثة أشهر من العمل المتواصل، شملت نقاشات عميقة، وتدريبات مكثفة، وسهرات طويلة، حتى في شهر رمضان، لصقل هذا العمل وإخراجه في أبهى صورة.

وقد التقت هذه الرؤية مع خبرة فنية متميزة، حيث أشرفت الأستاذة آمنة الدراجي على تصميم اللوحات الحركية والتعبير الجسدي، في حين تولّى الأستاذ نزار كشو الإخراج السينمائي، مضيفًا لمسة بصرية تعزّز من قوة المشهد وتماسكه. كما ساهم حضور الممثل إكرام عزوز في دعم العمل وإضفاء عمق أدائي يعكس الرسالة المنشودة.

ما يميّز هذا العرض هو اعتماده على 160 مشاركة، كل واحدة منهنّ تحمل قصة، وإحساسًا، وتجربة. هؤلاء المربّيات لم يكتفين بأدوارهنّ التربوية اليومية، بل صعدن الركح ليحكين، بلغة الجسد والمشاعر، ما لا يمكن للكلمات وحدها أن تعبّر عنه. إنّه احتفاء بدورهنّ الإنساني قبل المهني، وتكريم لرسالة غالبًا ما تُمارَس في صمت.

وفي لفتة إنسانية راقية، لم يغفل هذا العمل عن تثمين دور فئة غالبًا ما تبقى خلف الكواليس، حيث تمّ تكريم إطارات النظافة والعناية بالمحيط، تقديرًا لما يقدّمنه من جهد يومي بصمت وإخلاص. هذا التكريم جاء في إطار الاعتراف بقيمة كل من يساهم في بناء بيئة سليمة ونظيفة، دون المساس بكرامتهن أو خدش حيائهن، بل في سياق من الاحترام والامتنان الصادق.

العنوان ذاته «من الدمع يولد الأمل» يختزل فلسفة العرض: تحويل الألم إلى طاقة إبداع، والمعاناة إلى فعل جمالي يُلهم ويؤثر. فبين لحظات الحزن والتأثر، تتجلّى قوة الإنسان في النهوض، وفي القدرة على تحويل التجارب الصعبة إلى مصدر نور.

هذا العمل ليس موجّهًا لفئة معينة، بل هو دعوة مفتوحة لكل من يبحث عن تجربة فنية صادقة، تمسّ القلب وتحرّك الوجدان. عرض يجمع بين الفن، والتربية، والإنسانية، في لوحة واحدة تنبض بالحياة.

في الختام، «160 قلب» ليس مجرد رقم، بل هو رمز لوحدة الإحساس، وللقوة التي يولّدها العمل الجماعي عندما يجتمع حول فكرة نبيلة. هو موعد مع الفن حين يصبح مرآة للإنسان، وصوتًا لما يُخفيه القلب.

تعليقات