📁 تدوينات جديدة

أنا أقاوم | شعر: سيرين الرياحي

أنا أقاوم | شعر: سيرين الرياحي

أنا أقاوم | سيرين الرياحي

✍️سيرين الرياحي | تونس

شَحَّ السِّلَاحُ بِكَفِّيَ؟ لَا أُبَالِي

فَعِظَامُ أَجْدَادِي أَشَدُّ نِضَالِي

هَذِي الحِجَارَةُ فِي بِلَادِي رَصَاصُهَا

وَتَحْتَ التُّرَابِ مَنَاجِمٌ وَقِتَالِي

لَا أُغْلِقُ الْمَقَالِعَ، فَالْحَدُّ حَاضِرٌ

كَالسَّيْفِ، بَلْ أَمْضَى مِنَ الصَّوَّالِ

قَلَبْتُ مَوَازِينَ الْوُغَى فَتَزَلْزَلَتْ

سَاحَاتُهُ، وَتَقَدَّمَ الأَبْطَالِ

أُنْجِبُ لِلْحُرُوبِ أُسُودًا كُلَّمَا

جَاءَ الزَّمَانُ، وَعِزَّتِي رَأْسُ مَالِي

وَإِذَا أَرَدْتُ الْإِنْجَابَ يَوْمًا فَإِنَّهُ

مَشْرُوطُ قُوَّةٍ وَالْكَرَامَةِ حَالِي

لَا وَقْتَ لِلدَّمْعِ الْمُهَانِ، فَجُرْحُنَا

لَا يَسْتَجِيبُ لِمُسَاوَمَاتِ احْتِيَالِ

السِّلَاحُ دَرْبُنَا الْوَحِيدُ، وَمَا ارْتَضَيْنَا

تَفَاوُضًا أَوْ مَغْنَمًا أَوْ مَالِي

نَرْقَى لِلْمَجْدِ الْعَالِيَاتِ وَسُلَّمُنَا

مَبْنِيٌّ مِنْ جَمَاجِمِ الأَبْطَالِ

لَا خِيَارَ إِلَّا الْعَظَائِمُ، فَانْحَنُوا

نَحْنُ الَّذِينَ نَرُدُّ كُلَّ ضَلَالِ

لَسْتُ الْحَمَامَةَ فِي الْحُرُوبِ، وَإِنَّهُمْ

لَا يَعْرِفُونَ الصَّقْرَ عِنْدَ النِّزَالِ

آهِ الحِجَارَةُ شَهِدَتْ دَوْرِي الَّذِي

أَحْيَا الْمَقَامَ وَهَدَّ أَوْهَامِي

مَنْ تَاهَ فِي الزَّيْفِ الْمُقَنَّعِ فَلْيَغِبْ

تُجَّارُ هَزِيمَةٍ بِغَيْرِ وِئَامِ

أُنْقِي الصُّفُوفَ مِنَ الْخِدَاعِ وَأَقْطَعُ

ذَنَبَ الثَّعَالِبِ وَالأَفَاعِي سَلَامِي

الْحَرْبُ لَيْسَتْ لِلشُّعُوذَةِ وَالْهُتَافِ

وَلَا طُلُوسًا فِي رِدَاءِ تَمَامِي

أَوَّلُهَا دَمٌ، وَآخِرُهَا ظَفَرٌ

وَالنَّصْرُ يُكْتَبُ فَوْقَ جِسْمِ حُطَامِي

لَوْ شَحَّ فِي أَرْضِي السِّلَاحُ فَإِنَّنِي

أُقَاتِلُ الْمَوْتَ بِعِظَامِ عِظَامِي

وَسَأُورِثُ الْأَجْيَالَ قَرَارًا ثَابِتًا

أَنْ لَا نُسَاوِمَ فِي طُرُقِ الصِّدَامِ.

قراءة نقدية لقصيدة: "أنا أقاوم" – سيرين الرياحي

1. أفق القول الشعري وسياقه الدلالي

تنتظم القصيدة في أفق شعري مقاوم، يقوم على تمجيد الفعل النضالي بوصفه قدرًا وجوديًا لا خيارًا سياسيًا ظرفيًا. فالمتكلم الشعري لا يقدّم ذاته كفرد معزول، بل بوصفه امتدادًا لسلسلة تاريخية من الصراع:

«فعِظامُ أجدادي أشدُّ نضالي»

وهنا يتأسس الخطاب على منطق الوراثة الرمزية للنضال؛ إذ تتحول العظام من عنصر مادي إلى طاقة معنوية، بما يجعل الماضي وقودًا للحاضر.

2. البناء الخطابي والذات المتكلمة

تتخذ الذات الشاعرة موقعًا حادًا وحاسمًا، يرفض التفاوض، ويرى في السلاح الخيار الوحيد:

«السلاح دربنا الوحيد»

هذا الموقف يعكس تصعيدًا خطابيًا يقترب من البيان الشعري، حيث تنصهر القصيدة في خطاب تعبوي مباشر. غير أن الذات لا تذوب في الجماعة ذوبانًا كليًا، بل تحتفظ بضمير المتكلم المفرد الذي يمنح الخطاب طابع الشهادة الشخصية، لا مجرد الإنشاد الجمعي.

3. الحقل المعجمي والصورة الشعرية

يتكئ النص على حقلين معجميين رئيسيين:

 حقل الحرب: (السلاح، الرصاص، القتال، السيف، الوغى، جماجم، الدم، الظفر…)

 حقل الطبيعة والبدن: (الحجارة، التراب، العظام، الجراح…)

والتداخل بين الحقلين يخلق صورة مركزية مفادها أن الأرض والجسد يتحولان إلى أدوات مقاومة:

«هذه الحجارة في بلادي رصاصها»

«أقاتل الموت بعظام عظامي»

الصورة هنا تقوم على استعارة تحويلية: المادة الخام (حجارة، عظام) تصبح سلاحًا، في إحالة إلى منطق المقاومة البدائية التي تهزم التفوق التقني بالإرادة والرمز.

 4. البنية الإيقاعية والأسلوب

القصيدة موزونة على إيقاع قريب من البحر الكامل أو المتقارب في روحه العامة، مع اعتماد القافية الموحدة (ـالي / ـامي) التي تمنح النص طابعًا إنشاديًا صداميًا.

الأسلوب يعتمد:

 الجملة الخبرية التقريرية

 أفعال المضارعة الدالة على الاستمرار: (أقاوم، أقاتل، أنقي، أقطع)

 تراكيب شرطية:

«لو شح في أرضي السلاح فإنني…»

وهذا يُدخل القصيدة في نسق القصيدة الخطابية التي تستمد قوتها من الإيقاع والتكرار أكثر من التعقيد التركيبي.

 5. الرؤية الفكرية والبعد الرمزي

الرؤية التي تقترحها الشاعرة رؤية ثنائية حادة:

 حق مطلق مقابل باطل مطلق

 بطولة مقابل خيانة

 مقاومة مقابل تفاوض

«من تاه في الزيف المقنّع فليغب / تجار هزيمة»

وهنا تُشيطن الذاتُ كلَّ خطابٍ مهادن، وتمنحه صورة “تجار الهزيمة”، وهو توصيف يحمل بعدًا أخلاقيًا لا سياسيًا فقط. كما أن اشتراط الإنجاب بالقوة والكرامة:

«مشروط قوةً والكرامة حالي»

يعكس تصورًا وجوديًا للحرية بوصفها شرط الحياة ذاتها، لا قيمة مضافة لها.

 6. القيمة الجمالية وملاحظات نقدية

نقاط القوة:

 وضوح الرؤية وتماسكها.

 كثافة الصور التحويلية (العظام/السلاح، الحجارة/الرصاص).

 وحدة النبرة الخطابية مما يخدم طبيعة الموضوع.

ملاحظات نقدية:

 يغلب على النص الطابع التقريري في بعض المقاطع، ما يقلل من التوتر الشعري لصالح البيان السياسي.

 الصورة الشعرية تتكرر في بنيتها الدلالية (التحويل من ضعف إلى قوة)، مما قد يحد من التنويع التخييلي.

 ثنائية “نحن/هم” تُبنى بطريقة صارمة، تقلّ فيها المسافة التأملية التي تسمح للقارئ بالمشاركة الوجدانية الحرة، وتدفعه بدل ذلك إلى موقع المتلقي المعبَّأ.

 7. خلاصة تركيبية

قصيدة «أنا أقاوم» نصّ ينتمي بوضوح إلى شعر المقاومة الخطابي، حيث تتحول القصيدة إلى مساحة إعلان وجودي، لا مجرد تعبير وجداني. قوتها في وضوحها، وفي تحويل عناصر الأرض والجسد إلى رموز صلبة للرفض والصمود. وهي قصيدة لا تراهن على الغموض ولا على الإيحاء العميق، بل على الصرخة الشعرية بوصفها فعلاً نضاليًا موازياً للبندقية.

إنها قصيدة تقول: الشعر نفسه سلاح، والكلمة شكل من أشكال الاشتباك.

وهذا ما يمنحها مشروعيتها الفنية داخل سياقها الموضوعي والرمزي.

تعليقات