📁 تدوينات جديدة

سيميائية الغموض وبلاغة السرد في الرواية البوليسية: «الأرملة السوداء» للأديب شادي محمد بن راضية | زايد الرفاعي

سيميائية الغموض وبلاغة السرد في الرواية البوليسية: «الأرملة السوداء» للأديب شادي محمد بن راضية | زايد الرفاعي
 

زايد الرفاعي | المغرب

يتساءل الناقد والمفكر سعيد بنكراد فيقول: من منّا سبق أن رأى العالم عاريًا؟!

بما أن بنكراد هنا يقصد العالم بمفهومه السيميائي، فلا ريب، منهجيًا، أن اثنين تمكّنا، أو على الأرجح حاولا، رؤية العالم عاريًا: [السيميائي والمحقق]. الأول يكشف ويعرّي ويزيح اللثام عن الواقع، والثاني يرصد ويستنطق ويبحث عن الحقيقة؛ الأول مهمته الإمساك بالمعنى المتواري في مسرح الحياة، والثاني مهمته القبض على الدليل في مسرح الجريمة.

من هذا المنطلق، وجدنا في التحليل السيميائي الأداة المنهجية الملائمة لسبر أغوار رواية "الأرملة السوداء.. لن أعود" للكاتب شادي محمد بن راضية، ولتفصيل القول في بعض خصائصها الفنية وتيماتها السردية، خصوصًا أنها رواية تقوم على الغموض والتحقيق، والإثارة والتمويه والتشويق، نظرًا لانتمائها إلى الرواية البوليسية، كما يبدو من خلال عتبة الغلاف، حيث جاء تجنيسها واضحًا أسفل الرواية.

لذلك، سنركز في قراءتنا النقدية هذه على سيميائية الغموض، مع تفعيل تقنية "الزوم" على عتبات النص، من العنوان، مرورًا بدلالة اللون الأسود، إلى رصد جمالية البنية السردية وفنية الصور البيانية.

قبل الغوص سيميائيًا وبلاغيًا في هذه التيمات، لنتساءل أولًا:

هل الرواية البوليسية تحتاج بالضرورة إلى محقق في مجال الأمن والشرطة؟

وقبل ذلك، هل الرواية البوليسية هي التسمية والنعت الصحيح لهذا النمط الروائي، أم هناك مسميات أخرى؟

للإجابة عن هذا التساؤل، يكفي العودة إلى أشهر روايات هذا النمط من السرد، فنجد أن كاتبيها ليسوا محققين أو عمداء، ولا علاقة لهم بمراكز ومخافر الشرطة؛ فأجاثا كريستي، التي أبدعت "موت فوق النيل"، كان مصدر إلهامها مطبخها وليس مكتب التحقيقات، ونجيب محفوظ، الذي ألّف "اللص والكلاب"، وأيمن العتوم، الذي كتب "يا صاحبي السجن"، استمدا فكرتهما ومادتهما الروائية من الأحياء الشعبية لا من الملفات الجنائية. ونفس الشيء بالنسبة لعبد الله العروي في روايته البوليسية "غيلة"، فقد كان مدرّسًا لا مفتشًا أو محققًا. كما تنطبق القاعدة نفسها على الروسي دوستويفسكي في رائعته "الجريمة والعقاب"، والإيطالي أمبيرتو إيكو، مبدع "اسم الوردة".

صحيح أن رواية "الأرملة السوداء.. لن أعود"، التي هي موضع تحليلنا، تشكل في هذا الباب استثناءً، باعتبار أن كاتبها [شادي محمد بن راضية] فردٌ ممارسٌ متمرّسٌ في صفوف رجال الأمن، إلا أنه يحسم الجدل في افتتاحية الرواية بإخبار المتلقي أن أحداث الرواية ليست واقعية، إنما هي من وحي خياله الخصب ورؤيته المبدعة، والتي عبّر عنها في مقدمة الرواية بقوله: "إن كانت شخوص الرواية هي ضرب من الخيال، إلا أنها تلمس وقائع حقيقية قد حدثت أو قد تحدث".

وبما أن الخيال رهين بالغموض والتشويق، فإن هذا النمط الروائي يقوم في بناء أحداثه على هذين العنصرين، إضافة إلى عنصري التمويه والتحقيق، باعتبارها ضرورة تقنية تقتضيها البنية السردية والوظيفية.

فإن رواية شادي بن راضية، بدورها، تستمد جاذبيتها من هذه العناصر التي تأسر القارئ وتبقيه متعلّقًا بالأحداث. كما يميز أحداث الرواية أن مبدعها تطرّق في افتتاحيتها إلى جذور وتطور الرواية البوليسية، بدءًا بأول جريمة قتل في التاريخ (قصة قابيل وهابيل)، مرورًا بفترة نشأة وتطور الرواية البوليسية وظهور "إدغار آلان بو"، وانتهاءً بالعصر الذهبي مع [أغاثا كريستي وآرثر كونان دويل].

ويبدو أن الكاتب قد استفاد من الروايات الرائدة في هذا المجال، إذ تميزت روايته من حيث السرد بالانحياز إلى تجريب شكل متجدد ذي منحى بوليسي، فخرج بهذا النزوع المغاير من مدار أعماله السابقة.

إن رواية "الأرملة السوداء.. لن أعود"، التي هي موضوع تحليلنا، رواية تتألف من 105 صفحات.

تبدأ الرواية بجريمة قتل بشعة (مقتل طلال عباس) ليلة زفافه، مع إبقاء تفاصيل الجريمة غامضة، خاصة مع ظهور جريمة قتل أخرى؛ مقتل جارته الشقراء "غالية"، وإيجاد جثتها ببحيرة، وعنقها مطوّق بوشاح أبيض مكتوب عليه بحروف متناثرة (عين.. لام.. واو.. نون.. ألف.. دال). هذا الوشاح وهذه الحروف نفسها سيتم العثور عليها قرب جثة امرأة أخرى، ثم بعدها بأيام تتوصل الشرطة إلى ثلاث جثث أخرى نسائية، كشفت التشريحات الطبية أن لها علاقة بمسار الجريمتين السابقتين، ليتبيّن أن الجاني قاتل متسلسل ومجرم خطير تم وصفه إعلاميًا بـ(سفاح النساء).

بعد التحقيق مع المشتبه بهم وعدم كفاية الأدلة، يتم إغلاق الملف.

لتلتقي "ريتا"، بعد مرور عشرين سنة، بالمحقق "داني"، الذي يقرر فتح التحقيق مجددًا في قضايا القتل المرتكبة قبل عقدين، ورصد معطيات وأدلة جديدة قادت مجريات التحقيق إلى حل لغز الجريمة وفك الشفرات التي ظلت غامضة لسنين. وأخيرًا، تنتهي الرواية، التي تشدّ أنفاس القارئ في رحلة مفعمة بالإثارة والتشويق، بالوصول إلى الحقيقة والقبض على القاتل، الذي زُجّ به للمثول أمام القانون بفضل حنكة وذكاء وعبقرية المحقق "داني"، الذي لم يستسلم وظل وفيًا لمبدأ العدالة.

لتظهر الصدمة الكبرى في نهاية الرواية، بعد أن استفاقت "ريتا" من غيبوبتها التي دامت أسبوعًا، فيتم الإفصاح عن هوية المجرم، وعن دوافع ارتكاب الجريمة، إن كانت في الأصل جريمة؟!

سيميائية عتبات النص:

يمكن، من خلال مسح سيميائي بسيط للمؤشرات الخارجية ولعتبات النص الروائي، أن نقف على مكوّن الغموض في رمزيته ودلالته.

عتبة العنوان:

ما دام العنوان بالنسبة للنص الروائي يمثل ناطقه الرسمي ونافذته التأويلية، فقد جاء العنوان، من حيث المتوالية الصوتية، متكونًا من فرعين: فرع جاء مركبًا اسميًا (الأرملة السوداء)، وفرع ثانٍ جاء مركبًا إسناديًا (لن أعود)، وبينهما ثلاث نقاط حذف، إشارة إلى وجود تفاصيل وجزئيات مبهمة ينبغي استنطاقها. هذا على مستوى التركيب، أما على مستوى الدلالة، فالعنوان يحيل على امرأة فقدت زوجها، إما ذات بشرة سوداء، أو دلالة على حالتها النفسية والاجتماعية التي ارتدت ثوب السواد بعد فقدان الزوج، مع إشارة معجمية لفعل الرحيل مسبوق بأداة نفي، دلالة على قرار المغادرة وعدم العودة.

إن المكوّن اللساني "الأرملة السوداء"، تجاوزًا لمعناه التعييني المباشر، وبفتح مسار التأويل إلى أقصاه، قد يحيل على مدينة جنوب الصحراء تعاني مشكلة ما، أو دولة إفريقية خذلتها حكومتها أو شعبها.

دلالة اللون الأسود:

إن حضور اللون في الرواية عامة، وفي رواية «الأرملة السوداء» خاصة، ليس أمرًا اعتباطيًا، خاصة من الوجهة السيميائية، لأن اللون يمتلك سيمياء تشكيلية ذات رسالة ومعنى. كما أن اللون في النص الروائي بمثابة نسق إبداعي له دور ووظيفة، والقارئ النموذجي هو الأقدر على فك شفرات هذه الرسالة.

فليس اعتباطيًا توظيف الألوان في حياة الشعوب والأمم، فنجد: القارّة السمراء، البحر الأسود، البحر الأبيض، الدار البيضاء، والبيت الأبيض. كما تُوظَّف دلالات الألوان مجازيًا، فنقول: الحظّ الأبيض، الحظّ الأسود، القلب الأبيض، الذهب الأسود، والصحافة الصفراء.

ولعل توظيف وتكرار اللون الأسود في الرواية لم يرد اعتباطًا، وإنما للدلالة على مكانة اجتماعية أو حالة نفسية معينة، فنجده ورد على صيغة حوار في (ص 67):

«...أم أنك تحبين اللون الأسود فقط؟»

«إنك أنت من يرى الأسود كجزء صغير في مساحة من البياض».

كما ورد في أسلوب وصفي: «ترتدي ملابس السواد» (ص 70)،

وكذلك جاء في (ص 99) على الشكل التالي: «حضرت مراسيم الزفاف بفستانها الصارخ باللون الأسود».

ومنه، فاللون جزء لا يتجزّأ من ثقافة الإنسان وذاكرته ورؤيته وحلمه، وسياقات تعبيره عن ذاته وعن محيطه.

وقد جاء اللون الأسود في الرواية للتعبير — غالبًا — عن الحالة النفسية التي آلت إليها الزوجة ريتا بعد فقدان زوجها.

أيضًا، يهيمن على نص «الأرملة السوداء.. لن أعود» البعد الجمالي، فإضافة إلى عنايتها بمعماريتها وتقنيتها، أثَّثت بشكل دقيق ومُحكم عناصر البنية السردية التي أضفت عنصرًا فنيًا إلى عناصر الرواية البوليسية المتعارف عليها.

شخصيات الرواية:

ستعمل التحريات على تقصّي وجوه العلاقة بين الشخصيات المحورية في النص، التي سيتضح أن ما يُسمّى نظرية تأثير الفراشة حاضر بين الشخصيات، خاصة التي لها صلة بالجرائم المرتكبة.

1) الشخصيات المحورية:

ريتا صباغ: زوجة الضحية طلال، حاصلة على شهادة في القانون العام، عرفت شخصيتها تقلبات واضطرابات نفسية:

أ) قبل الجريمة: هادئة، عاشقة، مرحة، خجولة.

ب) بعد الجريمة: متوترة، انطوائية، حزينة، كئيبة، عصبية، مضطربة نفسيًا.

المحقق داني: مهني، عملي، ذكي، فطن، غامض، شاعر، أديب، فنان، إنساني، الوحيد الذي يلج كل الأماكن، العادية والممنوعة، الشخصية الأكثر إثارة وتشويقًا في الرواية.

2) الضحايا:

طلال عباس: محبّ لزوجته ريتا، وسيم، أنيق، له معجبات عديدات، مخلص رغم أنه يبدو زير نساء.

الجارة «غالية»: شقراء، جميلة، غيورة، عصبية، مستقلة.

ماري دياب: امرأة جميلة في عقدها الرابع.

لارا: امرأة حسناء، فنانة، مغنية أوبرا، متزوجة، لها طفلان.

3) المشتبه بهم:

هادي الصافي: شاب بشوش، يعمل مُصوّرًا، عازب، معجب بـ«غالية» رغم أنها أكبر منه سنًا.

4) شخصيات مساعدة:

العميد كامل زيتون.

المفتشة سارة.

الطبيب هاني: طبيب نفساني.

الشهود: الجارة هند سمان، والحارس الليلي، وساعي البريد.

البنية السردية:

تجلّت البنية السردية من خلال فضاء الرواية، الرؤية السردية، تقنيتي الاستباق والاسترجاع، الزمان والمكان، والحوار واللغة والأسلوب.

1) الحوار:

يعكس الحوار عادة مكنونات النفس البشرية ومكبوتاتها، ويقرّبنا أكثر من طبيعة الشخصية وثقافتها وهواجسها، من خلال ما تقوم به من إفصاح ولوم وعتاب وبوح واعتراف.

فنلاحظ أن الكاتب في استخدامه تقنية الحوار، الذي تباين بين مونولوغ وحوار خارجي، أخذ بعين الاعتبار طبيعة وشكل كل حوار؛ فالحوار بين «المفتش داني» والمشتبه بهم ليس نفسه الحوار بينه وبين «ريتا» أو مع «المحقق كامل».

وأيضًا، الحوار بين «ريتا» و«حبيبها طلال» يختلف عن الحوار بينها وبين نفسها أو طبيبها «هاني».

فالحوار مثلًا يكون قصيرًا بين المفتش داني ورئيسه المحقق «كامل زيتون»، أو عندما تناجي «ريتا» نفسها مثلًا، قولها:

ربما لم تكن تحبني، فمن يحب لا يخون. لماذا خنتني وأنا العروس المزهوة بفستانها الأبيض؟

بينما يرتفع مستواه عند التحاور الخارجي، فيكون بمستوى أسئلة وهواجس ولغة وثقافة الطرفين.

على سبيل المثال: حين يحقق المفتش داني مع المشتبه بهم، أو مع «ريتا» باعتبارها زوجة الضحية، مثلًا حوارهما:

"هل سبق وأن شاهدتِ ذاك الرجل من قبل؟

لا أظنني أتذكر حتى ملامحه.

حسنًا، هل لك أن تضيفي شيئًا آخر؟

لا، سيدي العميد.

وفي الحوار الذي يدور بين المحقق داني ومساعدته «سارة»:

لقد كانت بليغة في اللغة.

أتمنى أن تكون أكثر بلاغة لإقناع القاضي ببراءتها."

وكذا في الحوار بين «ريتا» وحبيبها «طلال»:

"أحبك.

وأنا أعشقك، ريتا.

عدني ألا تتركني، طلال.

لن أتركك إلا إذا شاء رب العباد أن ألقاه.

لا تقل ذلك، سنحيا معًا ونموت معًا ونعيش حياة طويلة، سنزرع حدائق حبنا بأجمل الورود...

وأنا سأشدو لك أجمل الألحان، وأحميك كما تحمي القطط أطفالها، سأكون لك الزوج والأخ والأب وحتى الابن المحتاج لدلال وعطف أمه، يا من تربّعتِ على عرش قلبي."

2. الوصف:

* كانت لارا امرأة حسناء. ص 59

* تتلمس كل الجسد البارد المخضب بالدماء. ص 27

* في عينيها حزن دفين وعميق، غائرتان بثقل السر الدفين فيهما. ص 67

3. التضمين:

إقحام تقنية التضمين والرمز في سرديات الرواية يثري بنيتها ويجعلها متنوعة تناصيًّا.

أ) التضمين:

* تضمين أدبي: تضمَّن شعرًا؛ قصيدة بعنوان «لن أعود» كتبتها ريتا لحبيبها وزوجها طلال.

* أدب الرسائل: تضمَّن رسائل كتبتها ريتا بخط يدها وكانت ترسلها لنفسها، ورسالة كتبها زوج «لارا» قبل أن يُقدم على تصفيتها جسديًا.

* مذكرة: تضمَّنت مذكرة رسمية صادرة عن مديرية الأمن الوطني تشجيعًا للمواهب والإنجازات الأدبية والفنية.

ب) الرمز والأسطورة:

  كما تم توظيف الرمز من خلال عبارات دالة، مثل: السجن، محكمة الاستئناف، البحيرة، الوشاح الأسود، ساعي البريد.

  بالإضافة إلى الأسطورة؛ نجد أنه قد وردت «أسطورة سيزيف».

4. فضاء الرواية:

أ) الزمان:

تدور الأحداث في الرواية بين الماضي والحاضر، ويعتمد الزمن فيها على تقنية الاسترجاع (فلاش باك)، يلجأ الكاتب إليها لأنها حتمية يقتضيها عنصر التحقيق القائم على استرجاع الأحداث لجمع المعطيات والأدلة المساعدة على فك لغز الجريمة.

إن الزمن في رواية «الأرملة السوداء» زمن منفلت، ينقسم إلى [زمن الرواية] الذي امتد إلى حوالي عشرين سنة (مدة التحقيق في جرائم القتل والبحث عن الجاني لتقديمه إلى العدالة)، و[الزمن الحقيقي] الذي تدور فيه أحداث الرواية، والذي لم يتعدَّ أسبوعًا، وهي الفترة التي كانت فيها البطلة «ريتا الصباغ» في المستشفى إثر الغيبوبة التي تعرضت لها.

ب) المكان:

اختيار مسرح الأحداث بدوره لم يخلُ من الإثارة والتشويق، وانتقاء أمكنة غامضة تدعو إلى الاستغراب لم يكن صدفة، وهي أمكنة توزعت بين مغلقة ومفتوحة.

* أمكنة مغلقة: المنزل، غرفة إصلاح آلات التصوير، مكتب التحقيقات أو التحريات، محكمة الاستئناف، عيادة الطبيب النفسي، المستشفى.

* أمكنة مفتوحة: البحيرة، شارع لافيات، الأزقة.

والملاحظ هيمنة الأمكنة المغلقة كدلالة على أن فضاء الرواية يميل إلى الغموض والشبهة والعزلة والطي والكتمان.

5. الأسلوب واللغة:

يعتمد شادي بن راضية في بناء أحداث الرواية على الأسلوب السيكولوجي (الفرويدي) لأسر الذات عند المتلقي بأساليب إغوائية تمويهية لاستمالة القارئ، وجعله يفتح احتمالات التأويل إلى سيرورتها اللامتناهية.

أما اللغة فتوزعت بين التقريرية والإيحائية، حيث وظف أساليب إنشائية وأخرى بلاغية، إضافة إلى صور شعرية توزعت ما بين:

أ) تشبيه:

لمحتُ شيئًا كالورقة يرقص على هبّة ريح منسلة. ص 21 [تشبيه مفصل].

يحبها حبَّ الرضيع لثدي أمه. ص 59 [تشبيه بليغ].

ب) مجاز:

على حافة الروح / أقبل خدّ الشمس.

ج) استعارة:

لم أجد بعد ذلك سوى «الغربال يتيمًا» في يدي بعدما سقط الجميع. ص 64.

تجلس في غرفتها «المزهوة بالكآبة والحزن». ص 68.

د) كناية:

سفاح النساء، السجائر الشقراء، رب القلوب.

إلى جانب محسنات بديعية من قبيل:

أ) السجع:

فقد عانقني البين يخنقني ورياح الشوق تطرحني.

كفاك غدرًا… قد تحملت دهرًا. ص 95.

ب) الطباق:

الأسود والأبيض / الحب والكره / الليل والنهار / البارد الدافئ / الحزن والفرح.

إن توظيف هذه الأساليب البيانية والبديعية يضفي جمالية للسرد، ويؤثر في المتلقي، ويلعب دورًا في تعميق المعنى وتوضيح الأفكار، فهي ليست للزينة فقط، وإنما دورها الوظيفي هو الإقناع والتعبير عن رؤية الكاتب.

ختامًا، يمكن القول إن الكاتب والروائي شادي محمد بن راضية نجح إلى حد كبير في تجريب الرواية البوليسية، سواء على مستوى السرد والوصف، أو من حيث التوظيف الجيد والمُحكم للصور البلاغية، أو من حيث خصائص وموضوعات وتقنيات هذا النوع من الكتابة الروائية؛ فنجده اعتمد افتتاحية تمهيدية، وأفصح منذ البداية عن وقوع جريمة، وأعلن عن الضحايا والمشتبه بهم مع الإشارة إلى بعض الإفادات والأدلة التي تقترب من الوصول إلى المجرم، كما اعتمد على شخصية المحقق الذي لم يغِب عن الحبكة الدرامية للنص، إضافة إلى توسل شخصيات وأدلة مساعدة في مجريات التحقيق.

في النهاية، نستخلص من أدب الرواية البوليسية أنه ليس من الضروري أن يكون كاتبها ممارسًا لمهمة الشرطة أو البوليس، إنما من المحتَّم والضروري أن يلتزم في البناء السردي بعناصر الرواية البوليسية، سواء تعلق الأمر بالعناصر الفنية أو التقنية، ولا سيما التوظيف الذكي المُحكم لعنصري الغموض والتحقيق، لإثارة استراتيجية التأويل باعتبارها جسرًا لغويًا يهدف إلى تحقيق جمالية التلقي.

هذا الأخير، أي المتلقي، يجد في مسمى الرواية البوليسية غايته الإمتاعية، ويعود ذلك إلى تمثلات الطفولة المراهِقة عن شخصية «البوليسي» أو رجل الأمن وما يعيشه من مغامرات ودور حيوي في مطاردة اللصوص والقبض على المجرمين وتحقيق العدالة. هذه الرؤية كرّستها بعض الأفلام الكرتونية من قبيل «المحقق كونان»، وأفلام سينمائية عالمية من قبيل «سلسلة جيمس بوند»، وحتى مغربية، مثل: «لابريكاد» و«الأوفيسي حجامي».

هذه الرؤية عند الباحثين والأكاديميين لا تغدو أن تكون، من الناحية المنهجية، رؤية ساذجة، باعتبار ما يحرك أحداث هذا النوع من الرواية هو «الجريمة» والمجرم الذي قام بها، لذلك يطلقون على هذا النمط من السرد «أدب الجريمة».

تعليقات