لم يكن الفجر قد اكتمل بعد.
الشارع ما يزال معلقًا بين عتمة الليل وبداية الضوء،
والمصابيح الصفراء تنثر ظلًا خافتًا على الأرصفة الرطبة. خرجت بهدوء، تحمل حقيبة صغيرة
وملفًا أزرق امتلأ بأوراقٍ تعرفها جيدًا: شهادات، نسخٌ مصوَّرة، وسيرة ذاتية صاغتها
أكثر من مرة حتى صارت تحفظ سطورها كما تحفظ اسمها.
أغلقت الباب برفق، كأنها تخشى أن توقظ في البيت أسئلة
الصباح المبكرة.
في الطريق، كانت المدينة تستعيد أنفاسها الأولى.
المخبزة رفعت نصف بابها، ورائحة الخبز الساخن تسللت
إلى الشارع. عامل النظافة يكنس ما تبقّى من ليلٍ طويل، وبائع القهوة يعدّ أكوابه الأولى
لمن يبدأون نهارهم قبل الجميع.
عند المحطة كان الصمت أكثر وضوحًا.
وجوه شابة تحمل الملفات نفسها تقريبًا، تقف متقاربة
دون حديث، كأن بينها اتفاقًا غير معلن على الاقتصاد في الكلمات. العيون وحدها كانت
تتكلم: شيء من التعب، وشيء من الأمل الذي لا يريد أن ينطفئ.
وصلت الحافلة مزدحمة كعادتها.
تزاحمت الخطى عند الباب، ثم انغلقت المسافات بين
الأكتاف. وجدت مكانًا قرب النافذة وجلست، وضمّت الملف الأزرق إلى صدرها بحركة غريزية،
كما لو كانت تحمي شيئًا هشًّا.
داخل الملف كانت سنوات كاملة من الانتظار:
ليالٍ طويلة من الدراسة، امتحانات، أحلام صغيرة كتبتها
في الهامش، ورسائل إلكترونية كثيرة انتهت غالبًا بعبارة مهذبة:
"نشكر اهتمامكم، وسنتواصل معكم لاحقًا."
أخرجت هاتفها، وقرأت الرسالة مرة أخرى:
"نرجو حضوركم صباح اليوم لإجراء مقابلة عمل."
كانت قد قرأتها مرات عديدة منذ البارحة.
في كل مرة كانت تحاول أن تقرأها بنبرة أكثر تفاؤلًا،
كأن الكلمات قد تخبئ معنى آخر بين سطورها.
تحركت الحافلة عبر الشوارع التي بدأت تمتلئ بالحركة.
عند كل محطة ينزل أشخاص بملفات تشبه ملفها، ويصعد
آخرون يحملون القلق نفسه. بدا المشهد كله كأنه طابور طويل من الأحلام الصغيرة التي
تبحث عن مكانٍ لها في المدينة.
حين توقفت الحافلة أخيرًا أمام مبنى زجاجي كبير،
نزلت ببطء.
وقفت لحظة تنظر إلى المدخل.
كان هناك صف طويل من الشبان والشابات، يحملون الملفات
نفسها تقريبًا، وينظرون إلى الباب ذاته… باب واحد أمام هذا العدد الكبير من الانتظار.
تقدّمت خطوة، ثم وقفت في الصف.
شعرت فجأة أن الطريق الذي قطعته منذ الفجر لم يكن
مجرد مسافة بين بيت ومحطة حافلة، بل مسافة بين زمنين:
زمنٍ طويل من الاستعداد،
وزمنٍ قصير قد يتقرر فيه كل شيء.
ضمّت الملف الأزرق إلى صدرها مرة أخرى.
وفي تلك اللحظة، بينما كانت الشمس تبدأ بالصعود ببطء
فوق المدينة، أدركت أن صباحات البحث عن العمل ليست مجرد بداية ليوم جديد…
بل امتحان صامت للأمل.
ومع ذلك، ظلّت واقفة في الصف،
كأنها تقول للباب المغلق أمامها:
ما دام الصباح يتكرر كل يوم،
فإن المحاولة أيضًا يجب أن تتكرر.
