■ حسن امحيل丨المغرب
فيما جرى خلال نهائي كأس الأمم الإفريقية 2025، لا يمكن الاكتفاء بقراءة الحدث
من زاوية رياضية ضيقة، لأن ما تفجّر من جدل وتوتر وسلوكيات متشنجة يتجاوز حدود المباراة
ليكشف عن إشكال ثقافي أعمق، يتصل بعلاقة المجتمعات الإفريقية المعاصرة بقيم المنافسة،
ومعنى الانتصار، وحدود الاختلاف داخل الفضاء الرمزي للرياضة.
تُعد كرة القدم، في الوعي الجمعي الإفريقي، أكثر من لعبة؛ إنها مجال للتعبير
عن الذات، وعن الذاكرة الجماعية، وعن طموح الاعتراف والكرامة في عالم غير متكافئ. غير
أن هذا البعد الرمزي، حين لا يُضبط بمنظومة قيم واضحة، قد ينقلب من عنصر توحيد إلى
أداة توتر وصراع رمزي، وهو ما ظهر جليًا في الطريقة التي تم بها تبرير سلوكيات غير
منضبطة، أو التعامل معها بوصفها ردود أفعال “طبيعية” تحت ضغط المنافسة.
من منظور ثقافي، تكشف هذه الواقعة عن هشاشة التربية على الروح الرياضية داخل
الفضاء العام الإفريقي، حيث ما تزال مفاهيم مثل تقبل الخسارة، واحترام القواعد، والاحتكام
للمؤسسات، مفاهيم غير راسخة بما يكفي في المخيال الشعبي. فبدل أن تُقرأ القوانين بوصفها
عقدًا أخلاقيًا يضمن عدالة التنافس، يجري أحيانًا التعامل معها كعقبة يمكن الالتفاف
عليها حين لا تخدم المصلحة الآنية. هنا لا يكون الخلل في القانون ذاته، بل في الثقافة
التي تحيط به وتمنحه شرعيته.
كما يبرز الحدث إشكالية “تسييس” المشاعر الرياضية على مستوى غير معلن، حيث
تتحول المباراة إلى ساحة لإسقاطات نفسية وثقافية متراكمة، مرتبطة بالإحساس بالتفوق
أو التهميش أو الرغبة في إثبات الذات. في هذا السياق، يصبح الاحتجاج المبالغ فيه، أو
الانسحاب، أو التشكيك في شرعية الآخر، تعبيرًا عن أزمة ثقة أعمق في منظومات التحكيم
والمؤسسات القارية، وهي أزمة لا يمكن معالجتها بالبلاغات أو العقوبات وحدها، بل بإعادة
بناء علاقة ثقافية صحية مع فكرة “المؤسسة” بوصفها حكمًا محايدًا لا خصمًا.
ولا يقل دور الجمهور أهمية في هذا المشهد، إذ تكشف ردود الأفعال في الفضاء
الرقمي عن تحوّل مواقع التواصل الاجتماعي إلى مسارح لإعادة إنتاج العنف الرمزي، حيث
تُستباح اللغة، وتُختزل الوقائع، ويُستبدل النقاش العقلاني بمنطق الاصطفاف والانفعال.
هذا السلوك لا يعكس فقط لحظة غضب عابرة، بل يعكس نمطًا ثقافيًا في التعاطي مع الاختلاف،
قائمًا على الإقصاء بدل الحوار، وعلى الانتصار للهوية الضيقة بدل القيم المشتركة.
من هنا، يمكن اعتبار ما حدث فرصة ثقافية قبل أن يكون أزمة رياضية. فرصة لطرح
أسئلة جادة حول دور الرياضة في بناء الإنسان الإفريقي المعاصر: هل نريدها فضاءً لتكريس
التوترات، أم مدرسة لتعلم الانضباط والاعتراف بالآخر؟ وهل نحن مستعدون للانتقال من
ثقافة “النتيجة” إلى ثقافة “المسار” التي تعطي للقيم نفس أهمية الألقاب؟
إن حماية كرة القدم الإفريقية لا تبدأ من العقوبات وحدها، بل من الاستثمار
في التربية الثقافية، وفي خطاب إعلامي مسؤول، وفي ترسيخ وعي جماعي بأن هيبة اللعبة
من هيبة القيم التي تقوم عليها. فحين تسقط القيم، لا تسقط مباراة واحدة، بل يتصدع المعنى
الأعمق للرياضة بوصفها لغة إنسانية مشتركة.
