📁 تدوينات جديدة

القيادة التي لا تحتاج إلى منصب | د. سميرة البلوشي

القيادة التي لا تحتاج إلى منصب | د. سميرة البلوشي

د. سميرة البلوشي | الإمارات العربية المتحدة

ليست كل سلطة قيادة، وليست كل قيادة مرتبطة بسلطة. قد يحمل الإنسان لقبًا كبيرًا ولا يترك فيمن حوله سوى الحذر، وقد يعمل في موقع بسيط ويترك أثرًا يجعل الآخرين أكثر ثقة بقدرتهم على العمل والحياة.

يُختبر المعنى الحقيقي للقيادة في تفاصيل لا تدخل دائمًا تقارير الإنجاز: كيف يُستقبل الموظف الجديد؟ ماذا يحدث حين يعترف أحدهم بخطأ؟ هل يجد صاحب الفكرة غير المعتادة من يصغي إليه، أم ينسحب بصمت؟ وكيف يتصرف المسؤول حين لا تكون هناك كاميرا أو مناسبة تستدعي الكلمات الجميلة؟

القيادة هنا ليست عاطفة تحلّ محل العدالة أو الكفاءة. لا يكفي أن يكون القائد لطيفًا؛ فالمؤسسات تحتاج إلى قرار واضح، ومعايير عادلة، ومساءلة تحفظ الحقوق. لكن هذه الأدوات تفقد جانبًا من قيمتها إذا تحوّل الإنسان داخلها إلى رقم أو خانة في جدول.

أحيانًا يُقال للموظف: «بابي مفتوح». وهي عبارة سهلة. الأصعب أن يشعر حقًّا بالأمان حين يعبر ذلك الباب وفي يده سؤال محرج أو اختلاف صادق. فالمسافة بين العبارة والتجربة هي المسافة بين صورة القيادة وممارستها.

من علامات القيادة الناضجة أيضًا ألا يجعل المسؤول نفسه مركز كل نجاح. فحين يعلّم زميلًا، ويمنحه فرصة للظهور، ويتقبّل أن يأتي من بعده من هو أقدر منه في بعض المهام، يكون قد اختار بناء القدرة بدل احتكارها. هذا النوع من الأثر لا يلمع سريعًا، لكنه يبقى في طريقة تفكير الناس وعملهم.

ولأننا نتحدث كثيرًا عن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، يجدر بنا أن نسأل: ما الذي لا ينبغي أن نفقده ونحن نسرّع الإجراءات؟ يمكن للنظام أن يرصد التأخير، لكنه لا يعرف دائمًا ما يحتاجه الموظف كي يتعلم. ويمكن للمؤشر أن يكشف تراجع الأداء، لكنه لا يغني عن حوار عادل يميّز بين نقص المهارة وغياب الأدوات وظروف العمل.

إنني أميل إلى النظر إلى القيادة بوصفها مسؤولية أخلاقية وعملية معًا: أن نرفع جودة العمل من دون أن نخفض كرامة الإنسان. وهي مسؤولية لا تبدأ يوم نُعيَّن في منصب؛ بل يوم نقرر أن يكون لوجودنا أثر نافع فيمن نعمل معهم.

قد ننسى أسماء اجتماعات كثيرة، وقد تضيع تفاصيل خطط كاملة بين الملفات. لكننا نذكر، غالبًا، من منحنا فرصة حين كنا مترددين، ومن صحح خطأنا دون أن يهيننا، ومن قال كلمة عادلة في وقت كان السكوت فيه أسهل.

هناك، في ذلك الأثر الهادئ، تبدأ القيادة التي لا تحتاج إلى منصب.


تعليقات