نصف حكاية |
قصة: أميرة فهري
أميرة فهري | تونس
كانت السيدة تجلس دائما قرب نافذة الحافلة، في
المقعد نفسه تقريبا، كأنها تخشى أن يفوتها وجهٌ اعتادت أن تراه. لم تكن تحب
الحافلات بقدر ما كانت تحب الناس الذين تعبر بهم.
كانت تراقب الوجوه في صمت. رجل خمسيني يحمل
حقيبة جلدية ويحدق في النافذة. كانت تظنه موظفا يعود كل مساء إلى بيت لا ينتظره
فيه أحد. فتاة صغيرة تضم حقيبتها المدرسية إلى صدرها، تنظر بين حين وآخر إلى أمها
النائمة على كتفها؛ كانت تبدو لها كأنها تعرف، رغم صغرها، أن التعب قد يكون أثقل
من الكلام. وفي المقعد الخلفي، شاب يضحك بصوت مرتفع مع صديقه. كانت تراه سعيدا،
إلى أن التقت عيناه بعينيه في زجاج النافذة، فرأت الحزن الذي أخفاه عن الجميع.
كانت تمنح كل وجه حكاية. لم تكن تعرف شيئا عن
أصحابها، ومع ذلك كانت مقتنعة بأن لكل واحد منهم سرا لا يظهر في الصورة الأولى.
وذات صباح، نزلت من الحافلة قبل محطتها. شعرت
بحاجة إلى المشي. كان الشارع أكثر ازدحاما من الحافلة. وجوه كثيرة تمر أمامها دون
أن تتوقف: بائع يساوم زبونا، امرأة تحمل طفلا وتجر آخر، عامل نظافة يدفع عربته
ببطء، عجوز يجلس أمام متجر مغلق، ورجل يركض خلف حافلة غادرت لتوها. توقفت عند
الرصيف.
للمرة الأولى، شعرت أن المدينة كلها حافلة
كبيرة، وأن الناس فيها مقاعد متحركة، يجلسون إلى جوار بعضهم دقائق، ثم ينزلون دون
أن يعرف أحدهم شيئا عن الآخر. جلست على مقعد خشبي. مرّ رجل أمامها، ألقى عليها
نظرة قصيرة، ثم تابع طريقه. ابتسمت.
فكرت في كل الوجوه التي اخترعت لها حكايات طوال
السنوات الماضية. ثم أدركت أنها لم تكن تعرف سوى نصف الحكاية. فكل وجهٍ نراه ليس
إلا الصفحة التي يسمح صاحبها للعالم بقراءتها. أما الصفحة الأخرى، فتبقى في
الداخل.
نهضت ومضت في الشارع. ولأول مرة، لم تسأل نفسها
عن حكايات العابرين. سألت سؤالا آخر: ترى، أيُّ حكايةٍ رآها ذلك الرجل في وجهي؟
ثم ابتسمت، لأنها أدركت أن الإنسان، مهما ظن أنه
يعرف الآخرين، يظل في النهاية مجرد عابرٍ في حكاياتهم. نصف حكاية فقط.
