ابتسام خشلق | تونس
ثمّة أرواح تعيش عمرها وهي تحن إلى شيء لا تعرف اسمه، كأنها تتذكر مكانًا
لم تزره يومًا، ووجوهًا لم تلتقِ بها، وحياةً تشعر أنها خُلقت لتعيشها، لكنها لم
تجد طريقها إليها بعد.
كانت هناك امرأة تمشي بين الناس، وتضحك معهم، وتبدو كأنها تعرف جيدًا إلى
أين تمضي، غير أنها في أعماقها كانت تائهة، وتحمل حنينًا غامضًا إلى شيء تعجز عن
وصفه، وتشعر أحيانًا أنها غريبة حتى عن نفسها.
لم تكن وحيدة بالمعنى الذي يفهمه الجميع، إذ كان حولها الكثيرون، لكنها
لم تجد ذلك الشعور الذي يجعل الإنسان يطمئن إلى وجوده في حياة الآخرين. كانت تبحث
عن مكان لا تضطر فيه إلى إثبات قيمتها كل يوم، وعن أشخاص لا تشعر معهم أنها عبء،
وعن قلب تستطيع أن تستريح إليه دون أن تخشى أن يأتي يوم ويطلب منها الرحيل.
كانت تريد أن تكون على طبيعتها، وأن تتحدث دون أن تراقب كلماتها، وأن
تحزن دون أن تبرر حزنها، وأن تصمت دون أن يُساء فهم صمتها.
كانت تشتاق إلى نفسها القديمة، وإلى تلك الفتاة التي كانت تصدق أن
الأشياء الجميلة تدوم، وأن من يحبنا لن يجعلنا نتسول الاهتمام، وأن البيوت ليست
جدرانًا فحسب، بل شعور بالأمان والطمأنينة، وأن بعض الأشخاص، حين يدخلون حياتنا،
يصبحون جزءًا منها إلى الأبد.
كانت تشتاق إلى ضحكتها التي كانت تنبع من قلبها دون تفكير، وإلى ليالٍ
كانت تنام فيها مطمئنة دون أن تعيد في رأسها كل كلمة قالتها، وكل موقف شعرت فيه
أنها لم تكن مهمة بما يكفي.
لم تكن تعرف متى تغيرت، ولا في أي لحظة بدأت تشعر أن عليها أن تبذل
المزيد كي تبقى، وأن تتنازل أكثر كي لا تُترك، وأن تخفي وجعها حتى لا يمل الآخرون
من سماعه.
ربما حدث ذلك بالتدريج، مع كل مرة انتظرت فيها أحدًا ولم يأتِ، ومع كل
دمعة ابتلعتها حتى لا تبدو ضعيفة، ومع كل عودة إلى مكان كانت تعرف أنه يؤلمها،
لكنها كانت تخشى أن تغادره إلى المجهول.
كانت تبحث عن الانتماء، لكنها كلما اقتربت من أحد شعرت أنها مطالبة بأن
تترك جزءًا من نفسها عند الباب. كانت تتخلى عن رأيها أحيانًا، وعن راحتها أحيانًا
أخرى، وتسـامح أكثر مما تحتمل، وتمنح أكثر مما تملك، ثم تعود في آخر الليل لتسأل
نفسها عن سبب ذلك الفراغ الذي يسكنها رغم كل ما قدمته.
لم تكن تريد الكثير، بل كانت تريد أن تشعر أن وجودها يُحدث فرقًا، وأن
غيابها سيُلاحظ، وأن هناك من يختارها دون أن تضطر في كل مرة إلى تذكيره بأنها
موجودة.
يا لغرابة الإنسان حين يعيش بين أهله سنوات طويلة ويظل يشعر أنه غريب، أو
حين يجد في شخص غريب راحة لم يجدها في أقرب الناس إليه، فيظن أنه وجد وطنه أخيرًا،
ثم يكتشف بعد سنوات أنه أخطأ الطريق، وأن المكان الذي ظنه وطنًا لم يكن سوى محطة
أخرى في رحلة بحثه.
والأشد إيلامًا أن يظل الحنين يسكنه حتى بعد أن يعرف الحقيقة، وأن يشتاق
إلى أشخاص لم يعودوا يناسبونه، وإلى أيام لو عادت لما أراد أن يعيشها من جديد،
وإلى نسخة قديمة من نفسه يتمنى لو يستطيع أن يعتذر لها عن كل المرات التي أهملها
فيها وهو يحاول إرضاء الآخرين.
كانت تخشى مرور الوقت، وتخاف أن تستيقظ يومًا فتكتشف أنها قضت أجمل
سنواتها تنتظر أن يختارها أحد، وأن يمنحها أحد مكانًا في حياته، وأن يقول لها أحد
إنها أخيرًا وصلت.
كانت تخاف أن يصبح عمرها مجرد حكايات عن أشخاص مروا، وأماكن غادرتها،
وأحلام أجلتها لأنها انشغلت بمحاولة الحفاظ على أشياء لم تكن تريد البقاء معها
أصلًا.
ومع ذلك، لم تفقد الأمل تمامًا. ظل في أعماقها شيء صغير يرفض أن يصدق أن
الحياة كلها أبواب مغلقة، وأن كل من نلتقي بهم سيخذلوننا، وأننا محكومون بالغربة
مهما حاولنا الاقتراب.
كانت تتخيل أحيانًا مكانًا بسيطًا، وبيتًا دافئًا، ونافذة تطل على سماء
هادئة، وأشخاصًا لا تحتاج أمامهم إلى ارتداء وجه آخر؛ مكانًا تستطيع فيه أن تتحدث
عن مخاوفها دون خجل، وأن تحكي عن أحلامها دون أن يسخر منها أحد، وأن تكون متعبة
دون أن تخاف أن تصبح أقل قيمة في عيون من حولها.
ربما كان كل ما تحتاج إليه هو أن تجد من يفهم أن وراء قوتها تعبًا، ووراء
صمتها كلامًا كثيرًا، ووراء محاولاتها المستمرة للظهور بخير قلبًا يتمنى لو أن
أحدًا يسأله بصدق إن كان بخير، ثم ينتظر الإجابة فعلًا.
وربما كانت تحتاج، قبل ذلك، إلى أن تتعلم كيف تمنح نفسها الأمان، وكيف
تتوقف عن ترك أبواب روحها مفتوحة لكل من يطرقها، وكيف تفهم أن عدم اختيار الآخرين
لها لا يعني أنها لا تستحق أن تُختار.
أحيانًا لا يكون أكثر ما يؤلم الإنسان هو فقدان شخص أحبه، بل فقدان نفسه
وهو يحاول الاحتفاظ به، وقضاء سنوات يغير فيها ملامح روحه حتى يصبح مناسبًا لشخص
لا يرى فيه ما يستحق البقاء.
وحين يرحل ذلك الشخص، لا يجد نفسه أمام خسارة واحدة، بل أمام خسارتين:
خسارة من أحب، وخسارة النسخة التي كان عليها قبل أن يبدأ كل ذلك.
لهذا، كان عليها أن تتوقف قليلًا عن البحث في وجوه الآخرين، وأن تعود إلى
نفسها التي تركتها تنتظر طويلًا، وأن تسامحها على كل مرة ضعفت فيها، وعلى كل باب
عادت إلى طرقه رغم أنها كانت تعرف أنه لن يُفتح، وعلى كل دمعة أخفتها لأنها خافت
أن يراها أحد أقل قوة.
عليها أن تفهم أنها لا تحتاج إلى أن تكون كاملة حتى تستحق الحب، ولا إلى
أن تكون مفيدة للجميع حتى تستحق مكانًا بينهم، ولا إلى أن تتخلى عن نفسها حتى لا
يتخلى عنها الآخرون.
ربما لن تجد وطنها في شخص واحد، وربما لن يكون وطنًا بالمعنى الذي تخيلته
طوال حياتها. قد تجده في صداقة صادقة، أو في عمل تحبه، أو في كلمات تكتبها في ليلة
تعجز فيها عن النوم، أو في لحظة تنظر فيها إلى المرآة وتشعر أنها لم تعد غريبة عن
نفسها.
وربما ستظل تبحث طويلًا، لكنها ستتعلم مع الوقت أن الرحلة لا تعني أنها
ضائعة، وأن تأخر الوصول لا يعني أنها لن تصل.
وإلى أن تجد المكان الذي يشبه روحها، ستظل تحمل في قلبها ذلك الحنين
القديم؛ حنينًا إلى طمأنينة لم تعرفها كما ينبغي، وإلى أمان طالما تمنته، وإلى
شعور بسيط بأنها أخيرًا في المكان الصحيح.
ستواصل السير رغم التعب، لأنها لم تعد تريد أن تعيش في أي مكان لمجرد
أنها تخشى الوحدة، ولم تعد تريد أن تتمسك بأحد لمجرد أنها تخاف أن تبدأ من جديد.
هي لا تبحث عن عالم كامل، ولا عن أشخاص بلا عيوب، ولا عن حياة خالية من
الألم. هي فقط تريد مكانًا تستطيع فيه أن تكون نفسها دون خوف، وأن تحب دون أن تفقد
كرامتها، وأن تبقى دون أن تضطر إلى التوسل من أجل البقاء.
تريد بابًا، حين تطرقه، لا تشعر أنها تطلب معروفًا، وقلبًا، حين تقترب
منه، لا تخاف أن تصبح غريبة فيه يومًا.
ربما ستكتشف بعد كل هذه السنوات أن الوطن الذي كانت تبحث عنه لم يكن
مكانًا تنتظر أن يستقبلها، بل حياة عليها أن تبنيها، ونفسًا عليها أن تستعيدها،
وسلامًا عليها أن تتعلمه.
عندها فقط ستفهم أنها لم تكن ضائعة كما ظنت، بل كانت تحاول طويلًا أن تجد
نفسها في الأماكن الخطأ.
وستعرف أخيرًا أن الانتماء الحقيقي ليس أن تجد مكانًا في حياة الآخرين
مهما كان الثمن، بل أن تجد مكانًا في هذه الحياة لا تضطر فيه إلى التخلي عن نفسك
كي تشعر أنك تنتمي.
لأن أقسى أنواع الغربة ليس أن تعيش بعيدًا عن وطنك، بل أن تعيش في المكان
الذي تمنيته طويلًا، ثم تكتشف أن روحك لم تجد فيه مأواها.
وأصعب الرحلات ليست تلك التي تقطعها الأقدام، بل تلك التي تقطعها الروح
بحثًا عن مكان تستطيع فيه أن تستريح من نفسها ومن العالم.
وربما لهذا ستظل تلك المرأة تحن إلى وطن لا تعرف إن كان موجودًا أصلًا،
وتبحث عن باب لا تعرف أين يوجد، لكنها ستواصل السير؛ لأنها تؤمن، رغم كل ما خذلها،
أنه لا يمكن للإنسان أن يولد بكل هذا الحنين دون أن يكون في مكان ما شيء ينتظره،
شيء يشبهه، وشيء يشعر معه أخيرًا أنه لم يعد غريبًا، وأن كل الطرق التي أرهقته لم
تكن سوى محاولات طويلة للوصول إلى المكان الذي يستطيع فيه أن يقول بقلب مطمئن إنه
لم يعد مضطرًا إلى الرحيل.
