أحمد م الرحبي يجمعُ أرواح أبطاله الهائمين في حقيبة
صدرت حديثاً عن "محترف أوكسجين
للنشر" في أونتاريو رواية جديدة بعنوان "حقيبة الأرواح" للكاتب
العماني، المقيم في موسكو، أحمد م الرحبي. وهي روايةٌ تفتح مسالك جديدة لمقاربة
ثيمات الاغتراب والتشظي، وانتقال الألم الإنساني عبر الأجيال، عابراً الحدود
والأجساد والأرواح المنسحقة التي تترك قبل تلاشيها أثراً لا يُمحى.
يقدّم لنا أحمد م الرحبي في روايته
الجديدة بناء سردياً متشعباً ومتماسكاً في آن واحد، فـ "حقيبة الأرواح"
تنقسم إلى ثلاثة أقسام أو كتبٍ هي "غرفة الغربان"، "ربيع، ومصادفات
أخرى"، وفي "سبيل الكتابة"، إضافة إلى "ملحق"، ومن خلال
هذه الكتُب الثلاثة، التي ينفرد كل واحدٍ منها بقصته وبطله، يشرّح الرحبي واقع
شخصياته المرتبكة، ويسبر أعماقها الممزقة، ويعرّي هواجسها وأحلامها ورغباتها، حيث
تتقاطعُ الأحداثُ وتتشابك المصائر من البداية إلى النهاية، وفق سردٍ زمني متقطّع
غير خطّي، يراوحُ بين الماضي والحاضر، حاملاً حقيبةً سرّية من الحكايات والذكريات
والألغاز التي تتكشّف شيئاً فشيئاً.
تتكئ الرواية على حدثٍ بارز يتمثّل
في انتحار طالب عُماني في إحدى المدن الروسية، وهي اللحظة التي نصلُ إليها في
نهاية "الكتاب الأول" بعد التعمق في الأزمة النفسية التي دفعت بالطالب
"فيصل" ليضع حدّاً لحياته، أو بالأحرى ينهي معاناته المتفاقمة بسبب الضغوطات
الأسرية، خاصة من والده المتسلّط، جرّاء فشله الدراسي، وكذلك اضطراب علاقته
العاطفية بصديقته "ناستيا"، ولتكن هذه المأساة منطلقاً سردياً نحو
الكتابين الآخرين، تجمع بينهما حقيبةٌ مهملة كحياة صاحبها التي يبدو أنها أصبحت
"مهمّة" بعد نهايتها. ولتتكّشف من خلال الراويين الجديدين "سلطان
ومصعب" خيوطَ حكايات ترزح تحت طبقات من الكتمان والألم والضياع، تأخذنا إلى
سلطنة عمان، روسيا، وفرنسا، وعبر هذه الأمكنة المتعدّة بأجوائها وفضاءاتها
المختلفة، تقف الرواية على أثر تمزق الهوية والقلق الوجودي للذات وصراعاتها
الداخلية.
هذا ما يتبدّى في كلمة الغلاف التي
تنطلق من المكان وأثره الرمزي: "في مدينة يغمرها الثلج، اشتُقَّ اسمُها من
كلمة "غراب" بالروسية، هي مدينة فورونيج، تراقبُ الغربان المحلقة حول
تمثال الشاعر الذي شنَق نفسَه؛ حياةً تغيبُ في تفاصيل ماضٍ ثقيل، قبل أن تعود
لتصطدم بواقعِ شخصياتٍ مهمومة بحرّيتها، بطموحاتها المؤجّلة، وحبِّها الخفيّ. وفي
تقاطع الطرق واشتباك الرؤى، يرسمُ الروائي العماني أحمد م الرحبي صورةً بانوراميةً
عميقة عن أبطاله المغتربين، من عربٍ وأفارقة، ويجمعُ مصائرَهم المتباعدة وأرواحَهم
الهائمة في حقيبةٍ، في روايةٍ، يُمسي فيها كلُّ شيء ضرورياً وحاسماً في الحياة".
من الكتاب الأوّل "غرفة
الغربان" نقرأ:
"لم تعد الغربان هناك كثيرة
كما كانت، لا أحد يعرف السبب، أو إلى أين رحلت، أمّا أنا، فأظنّ أنّها سافرت معي
إلى روسيا، تتعقَّبُني بنعيبها المتسلِّط، وقد تضخَّمتْ هنا ثلاثةَ أضعافِ حجمها
هناك؛ وبعد أنْ كانت تطير وتَحُطّ في الزرقة البحريّة المفتوحة، أصبحت غابِيّة،
يكسوها ريشٌ مُعرّش، وسوداء بأكملها".
هكذا بين تشظي الزمن، والتداعي
الحر، والمونولوغ، والرموز والدلالات والإيحاءات، يراوحُ أحمد م الرحبي بين هذه
المستويات من الكتابة ليقدّم لنا نصّاً روائياً لا يقف عند حدودِ الأزمة النفسية
وتداعياتها، إنّما يمضي ليقرأ وعي المجتمع وثقافته الأبوية، وكيف للمأساة أن تمسي
مرضاً معدياً، حالة عابرة تخترق الأمكنة والأزمنة، والأخطر أن تعبر إلى الإنسان
جيلاً بعد جيل، وقد تمسي النجاة تمسّكاً بالحرّية وتمرّداً على كل القوالب الجاهزة
لحياةٍ ما.
"حقيبة الأرواح" هي
الرواية الرابعة للكاتب العماني أحمد م الرحبي والثانية له عن "محترف أوكسجين
للنشر" وفيها يضع أمامنا مرآة لكلّ الثنائيات الضدّية التي تمزّق الإنسان من
حياة وموت، تشبّثٍ وتخلٍّ، تمرّد واستسلام، دون أن يأتي الكاتبُ على ذكرها، في
ثلاثية روائية جمعها كتابٌ واحد في 216 صفحة.
وأحمد م الرحبي، كاتب ومترجم عماني.
من إصداراته: مجموعة قصصية بعنوان "أقفال" (2006). وثلاث روايات هي
"الوافد" (2012)، و"أنا والجدة نينا" (2015)، وعن محترف
أوكسجين للنشر: "بوصلة السراب" (2024). من ترجماته عن اللغة الروسية:
"انتقام تشيك الرهيب، قصص من الأدب الروسي المعاصر" (2017)، و"زواج
الطاهية" لـ أنطون تشيخوف (2019)، طبعة ثانية عن محترف أوكسجين للنشر (2023)،
و"ثلاثية مكسيم غوركي: الطفولة، بين الناس، جامعاتي" (2019–2020)،
و"فروسيا كوروفينا" لـ ستانيسلاف فوستوكوف، قصص أطفال (2020).
و"كيف تعلمت الكتابة" لـ مكسيم غوركي (2022)، والجزء الثاني من رباعية
يفغيني روداشيفسكي "مدينة الشمس"، رواية للفتيان (2022)، و"رحلة
أخي أليكسي في يوتوبيا الفلاحين" لـ ألكسندر تشايانوف، عن محترف
أوكسجين للنشر(2023).
"لقيط الناصرة" للسويسري مِيتين أرديتي: منابع يسوع الثائر وتجلياته
صدرت حديثاً عن "محترف أوكسجين للنشر" في أونتاير رواية جديدة بعنوان: "لقيط النّاصرة" للكاتب السويسري مِيتين أرديتي، نقلها عن الفرنسية المترجم المغربي المصطفى صبّاني. وهي روايةٌ تُقدِّم إعادةَ تفسير متماسِكة وجريئة لحياة يسوع الناصري ورسالته، من منظورٍ جديد أدبيّ وإنساني يجمعُ الأحداث المتناثرة عبر فصول سرديةٍ قصيرةٍ، واضحة، ومُحكمة.
يستند مِيتين أرديتي في روايته
"لقيط النّاصرة" –جزئياً- إلى أحدَث الأبحاث التاريخية، ولا سيما عمل
دانيال مارغيرات، وهو مفسّر وباحث في اللاهوت البروتستانتي والكتاب المقدّس،
ومؤلّف كتاب "حياة ومصير يسوع الناصري" الشهير، والذي يُرجِّح أنّ يسوع
واجه شكوكاً حول عدم شرعية نسبه! من هذا المنطلق يتخيَّل مِتين أرديتي كيف يتحوّل يسوع المولود من
أبٍ مجهول، والذي يُعتبر منبوذاً، إلى رجل مدفوع بعطشٍ للعدالة والإصلاح والثورة
ضدَّ الظلم والإقصاء، يتحِّد مع "ابن غير شرعي" آخر، يهوذا، للدفاع عن
المهمّشين، وإن بدت دوافع هذا التلميذ الجديد غامضة، إلّا أنه متمرّد وثوري
ومحنّك.
من وجهة النظر هذه وانطلاقاً من جرح
الطفولة الجوهري، كما تقول كلمة الغلاف: يرسمُ الروائي مِيتين أرديتي صورة مؤثرة
وإنسانية ليسوع الناصري، مدفوعاً بنداء المنبوذين والمتمرِّدين من ذوي العقول
المستنيرة، منطلقاً من رؤية نفسية لطفولة مجروحة، وتحدِّيات ومصائر متشابكة يستندُ
في سردِها روائيّاً إلى مصادر تاريخية حديثة. وإذ يُؤنْسِن أرديتي بطلَهُ الأيقوني
الذي يجادلُ كبارَ الكهنة ويرافعُ ضدَّ الاضطهاد والاقصاء، يمنحُ يهوذا الماكر
دوراً محوريّاً كبطلٍ مضاد، ويمضي مع أهمِّ الشخصيات والأحداث في روايةٍ تخييليَّة
آسرة، يملأ الفراغات، ويطرح الأسئلة، وينتصر لمن لم يرضَ بعيشِ حياةِ المذَلَّة
والهوان، وثارَ على الشرائع الظالمة في سبيلِ حرِّية وكرامة الإنسان.
هي إذاً رواية تاريخيّة، تخييليَّة،
تُعيد قراءة الأحداث الرئيسية في حياة يسوع، منها مواجهته لكِبار الكهنة، والوقوف
على الجبل، و"عزلة الأربعين يوماً" في الصحراء، ومن هذا الفصل نقرأ:
"بعد
مرور أربعة أيّام على فِراقهما، عاد يهوذا لزيارته من جديد، يحدوه الأمل برؤية
صاحبه مستعدّاً لخوض مغامرة المواجهة مع كبار الكهنة، وكلّه عزم على شدّ أزره
ليكون على أتمّ استعداد لإقناعهم بسداد موقفه. عندما رآه متحمّساً للوقوف في
وجههم، طلب منه أن يُعِدَّ جيّداً للمرافعة أمام مجلس القضاء، وألّا يخوضَ في
التفاسير التي تجرّ عليه غضبهم فتزيدَ نقمتهم على المنبوذين، وتنقلب محاولته
لمساعدتهم إلى الإضرار بهم أكثر. ومن المحتمل أن تلقى أفكاره صدىً مِن بين مَن
ليسوا من المنبوذين، وتحفز اليهود على القيام بحركة ثوريّة تنجح في خلق طائفة
تحتضن كلّ من وصموا بعار الدناسة في كلّ ربوع الأرض. فردّ عليه
يسوع محذّراً:
- ألا
نخاطر بفعلنا هذا على تعريض المنبوذين إلى مزيد من القهر، وندفعهم إلى خلق طائفة
جديدة؟
فأجابه
يهوذا:
- مِن
المحتمل جدّاً أن تؤول الأمور إلى ما كنّا نخشى عقباه، فنُتَّهَم بالكفر وبخلق
الفتنة ولو كانت هذه الطائفة الناشئة تدعو إلى التراحم والتعايش والمحبّة
والوحدة".
"لقيط
النّاصرة" التي صدرت ترجمتها العربية الأولى هذه في 184 صفحة، روايةٌ مدهِشة في جرأتها
ومُقلقة في طرحها؛ تستكشف البدايات وتحكي عن يسوعٍ يتمتّع بكاريزما آسرة، يجذب في
طريقهِ المظلومين والمحتاجين، والذين سيكتبون أسطورته الذهبيَّة بأنفسهم، بوصفه
إنساناً ثائراً، يعارض النظام القائم ويدعو إلى دينٍ أقلّ جموداً وأكثر تسامحاً.
ومِيتين
أردِيتي كاتب
سويسري فرنكوفوني من أصل تركي، مواليد 1945. ألَّف العديد من الأعمال الروائية نال
عنها جوائز مهمّة، منها: "توركيتو" (2011) -جائزة جون جيونو.
و"الطفل الذي يقيس العالم" (2016) -جائزة البحر الأبيض المتوسط.
و"راسم الأرواح" (2021) -جائزة الجامعة الكاثوليكية للغرب. و"ستصبح
أبي" (2022) -جائزة ميكافيلي. و"جزيرة السائحة الفرنسية" (2024)،
وأخيراً ثلاثية القسطنطينية التي صدر منها: "الراقص الشرقي" (2025)،
و"جاسوس أتاتورك" (2025).
الشاعر قصي اللبدي في جديده "يملأ الوقت.. يتنقَّل بين الثياب"
صدرت حديثاً عن "محترف أوكسجين للنشر" مجموعة شعرية جديدة للشاعر الأردني قصي اللبدي بعنوان: "يملأ الوقت.. يتنقَّل بين الثياب". وفيها يعود الشاعر إلى نشر قصائده الآسرة في كتاب، بعد أكثر من عقدٍ، راسماً بدقةِ من يتبع سطراً طويلاً على صفحةٍ لا متناهية؛ مساراتِ الحياة وإيقاعها المتغيّر.إنه كتابٌ يوقظُ الحواس، يستفزّها،
ويُحاكي لحظات إنسانيّة مهرَّبة مِن بين الخرائب. وما الزمنُ هنا إلَّا ما يكتبُهُ
الشاعرُ المنتبه لما يحدث حولنا، وفي أعماقنا، راصداً مشاهد يومية، حكاياتٍ صغيرة،
وجوهاً مغيَّبة، وكلّ ما يستعيد جوهر الإنسان المفتقد. وبين مفتتح الكتاب: "تارِكاً
كلَّ شيءٍ/
ومُستغنِياً عنهُ"، وآخر عبارة: "فلا تَنْسَني../
لا تذرْني وحيداً،/ وضَعْ ذَرَّةً منكَ في كُلِّ
حَرْف"؛ تنبعث رحلةٌ مديدة تضعنا في قلبِ الشِّعر ومعجزاته.
ونحن كما تقول كلمة الغلاف: "لا
نعرف مَن أصدر حكماً مؤبّداً على الشاعر قصي اللبدي بالحياة شعراً ومِن أجل الشعر،
لكنّنا نعرف أنه قاضٍ عادل، أصدر حكمه بمنتهى الواقعية والدراية، لا بل ألزمه
مشكوراً، بعد 12 سنة على آخر ديوانٍ له، أن ينشر هذا الذي بين أيديكم، لئلّا
يحرِم القرّاء مِن مساءلة استثنائية للحب والعزلة والجسد والاغتراب، وتطويعه اللغة
لتحمل هواجسه وعوالمه وقد صيّرها بساطاً سحرياً، يُحلّق بها أينما شاء، وقد امتلأ
الوقت بأشباحه، وتحطّمت شموسٌ بأكملها في ثنايا الثياب".
لا يحتاج اللبدي برهاناً يثبِتُ
سعةَ اطّلاعه وحصافته اللغوية. وها هو يقترح علينا، بكرمٍ جليّ، رحلةً قوامها 59
قصيدة موزّعة على 104 صفحات، تجمعُ بين أناقة اللغة والإيقاع المُحكم، دون التخلي
عن تلك الرقّة والحساسية العالية تجاه الموجودات والأشياء وعلاقتها بعالم الشاعر
وذواته المتعدِّدة في الكتاب. فنحن حيالَ كتابةٍ تتأمّل غرابة الوجود وتتقصى ثوابت
حياتنا اليومية، في الحضور والغياب، في الحب والهشاشة، وفي قراءتنا لقصائد شاعرٍ
تمتلئ جيوبه بالكواكب والحصى.
هذا ما نلمسه، مثلاً، في قصيدة
"اسمي قُصي":
أنتِ
تَنْسَيْنَ
لا تتذكَّرُ عيناكِ ما رَأَتَا:
لا النهارَ الذي لم أَزَلْ عالِقًا في ظهيرتِهِ
لا الطريقَ الذي صارَ أغنيةً
لا قصيدتَكِ الأمَّ ، لا بحرَها..
كلما رَكَضَتْ كلماتي إليكِ -كأختٍ لها–
ارتَطَمَتْ رغبتي بالزجاج..
- أنا..
هل تذكرتِني؟
أنتِ تَنْسَينَ
سوفَ أُذكِّرُ عينَيْكِ بي، فتَصِيرَانِ أكبرَ
ثُمَّ نسيرُ معاً في الطريقِ الذي صارَ أغنيةً
وأقولُ لكِ: اسْمِي قُصَيّ..
فما اسمُكِ؟
في جديد قصي اللبدي "يملأ
الوقت.. يتنقَّل بين الثياب" فيضٌ من الرؤى والأفكار والتجارب الحسّية. وإذا
ما أردنا التساؤل عن القصيدة الحقيقية، فهي بلا شكّ الحياة حين تُكتَب! بنبرةِ الشاعر
الحميمية وصوته الداخلي الذي يماثلُ ضجيجَ مدينةٍ بأكملها، تمرُّ من أمامنا كشريط
سينمائي صامت يقول أكثر ممّا يُخفي.
وقصي اللبدي شاعر وصحافي من الأردن. من مؤلفَّاته
الشعريَّة: "ليكن لي اسمك" (2011)، و"فرد في العائلة" (2014).
كلَّما لمست شيئاً كسرته" لعبد الإله الصالحي: مثل الحياة برمّتها
صدرت حديثاً عن "محترف أوكسجين للنشر" في أونتاريو طبعةٌ ثانية منقحة من المجموعة الشعرية "كلَّما لمست شيئاً كسرته" للشاعر المغربي عبد الإله الصالحي. وقبل أن نقع في فخِّ العنوان واحتمالاته العديدة بين الضمِّ والفتح والكسر، تواجهنا هذه العبارة للشاعر الأميركي ريتشارد بروتيغان كجملة افتتاحية للكتاب: "يا للغرابة! كيف تستمرّ أشياءُ الحياةِ البسيطة على بساطتها/ بينَما نحنُ نتعقّد أكثر فأكثر".وهنا ينحاز الشاعر عبد الإله
الصالحي إلى الحياة، وبالتالي إلى البساطة التي تستنطقُ الواقعَ شعراً بكلّ
عناصرهِ، دون تعقيداتٍ أو بلاغاتٍ لغوية، وإنما تفردُ مساحة شاسعة لليوميّ
والمتناغِم مع لغة الشارع ودهاليز المدن الصاخبة، انتصاراً للهمِّ الفردي الذي
يتقاطعُ في المسافة بين الوطن والمهجر مع الهمّ الجماعي، وليخاطب الشاعرُ العالمَ
كمن يجلسُ أمام مرآة متشظية: "مِن حينٍ لآخر يكفهِرُّ العالَم/ تُقفِلُ
التّليفون/ تَلعَنُ الكتابة/ تَلعَنُ النّساء/ وتَلعَنُ نفسَكَ".
هذه العوالمُ تضيء عليها كلمة
الغلاف: "إنّه كتابٌ متعدِّد الاحتمالات، والشاعر عبد
الإله الصالحي هنا ليسَ ذاتاً واحدة بل مدينة بأكملها، قد تكون باريس أو الرباط أو
الدار البيضاء لا فرق، فالغربةُ غربتان، واليأس والهزائم جنباً إلى جنب مع
السخرية والانتصارات اليومية، في قصائد متفرِّدة، تعودُ لتُواصل
مع صاحبها ارتياد الحانات، ورفع أنخاب الأصدقاء، والتسكّع في شوارع الخيبة، كاسرةً
بنزقِها كلَّ الأشكال المتوقعة للكتابةِ الشعرية عربيّاً ومغربيّاً، ملخصةً تجربة
يتقاطع فيها الإبداعي والإنساني ليشملَ المغتربين والمهمَّشين والحالمين والسكارى
الذين يعشقون
الحياةَ أكثر مِن أيِّ شيءٍ آخر".
يتغذّى الصالحي في كتابته على زاده
من المغامرة الشعرية والحياتية، ماحياً الحدود بينهما، وصانعاً فرادةً أسلوبية
تخصّه كشاعرٍ يواجه اغترابه عن العالم المنهار اجتماعياً وسياسياً بأسلحة الإبداع
والسخرية، وبالتماهي مع الحياة والغرق في تفاصيلها المنسية والمهمَلة: "هذا
اليوم، مثل الحياة برمّتها/ يحتاج إلى مجازفة ما". ومن بلدٍ إلى آخر، وبين
حانةٍ وأخرى، وكأسٍ وثانية وثالثة، تتوالى الحكايات والانتصارات الصغيرة والخيبات
في تجربةِ جيل بأكمله.
من قصيدة "دروس بارسيّة"
نقرأ:
حركاتُنا محكمةٌ
لكنّنا، كالعادة، نَفقِدُ
التَّوازنَ خارجَ اللُّغة.
ماذا سنفعل بشرخٍ وقد أزهر العشبُ
في أفواهنا؟
مِن مغامرةٍ لأخرى تفنَّننا في
الكبس على الأزرار
أَخرَسْنا أجمَلَ ما فينا
صحَّحنا النَّدمَ بالبهارات
وأنجبْنا أبناء يفهمون في الطاعة
والموسيقى.
ليسَت في الأمر ثمَّةَ صُدفة.
ليسَت ثمَّةَ وَصفة.
ألسْنا جديرينَ بهذا العدم
الذي ميَّعَ علاماتِ الاستفهام في
قصائدِنا؟
"كلَّما لمست شيئاً كسرته" لعبد
الإله الصالحي هو كتابُ مرحلة، حاز على جائزة الديوان الأوّل لبيت الشعر المغربي
العام 2006، وكُتِبت حوله، على مدار عقدين، الكثير من الدراسات والمقالات الصحفية
والشهادات، أُدرِجت منها عدّة مقاطع في آخر الكتاب في طبعته الثانية الجديدة هذه،
والتي تضمّ، عبر 88 صفحة، 31 قصيدة لاذعة، جريئة، وساخرة حدّ الألم.
وعبد
الإله الصالحي شاعر من المغرب، مواليد 1968، يقيم في باريس منذ عام 1990. صدرت
له مجموعتان شعريتان: "كلَّما لمست شيئاً كسرته" (ط1: 2005)،
و"سيرك الحب" (2023)، عن محترف أوكسجين للنشر.
"اعترافات روح مزيَّفة" للروماني إيلاريه فورونكا... الإنسانية على محكّ الحقيقة
صدرت حديثاً عن "محترف أوكسجين للنشر" في أونتاريو رواية جديدة بعنوان: "اعترافات روح مزيَّفة" للكاتب الروماني إيلاريه فورونكا (1903-1943)، نقلها عن الإنجليزية الكاتب والمترجم السوري زياد عبدالله، مرفقة برسوماتٍ للفنان التشكيلي السوري دلدار فلمز. وتأتي الرواية ضمن سلسلة "أوكلاسيك" كاكتشافٍ جديد لنصٍّ سرديٍّ سرياليّ واستثنائي، يطرحُ سؤال: ماذا تفعل حين تتمزَّق روحُكَ؟ أو كيف تُنقذ إنسانيتكَ في مجتمعٍ معاصرٍ فاقدٍ للبوصلة والمعنى؟
لا مجال للتردّد إزاء خيال الكاتبِ الحاسم، وهو يقترح
عليكَ حلولاً غير متوَقعة؛ كأن تستبدلَ روحَك المضطربة، مثلاً، بروحِ جنديٍّ عاشقٍ
سقطَ قتيلاً في ساحة المعركة، وما أن تعتقد أنكَ نجوتَ حتّى تنفتحَ أمامكَ رحلةٌ
لامتناهية من الصراع، في امتزاج الهوية بالزمن، الحقيقة بالزّيف، والكآبة بالسخرية.
هذا ما تقف عليه كلمة الغلاف حين تجدِّد طرح السؤال: هل ثمَّة عطبٌ في روحك؟ هل
استبدَّ بها الخواء، أم أنها في طور التداعي والاضمحلال؟ لا عليك! هناك مَن
بمقدوره أن يستبدلها، أن يهبك روحاً جديدة، تُخرجك عن الرتابة، وندرة ما هو جديد،
تتيح لك أن تُمسي عاشقاً متيَّماً على الأقل! كما أن خيارات كثيرة متاحة إن كنت
تبحث عن روح إنسان، طالما أن الحرب نشطة في حصدها الأرواح، ويمكن أيضاً الظفر بروح
حيوان، لكن هذا الخيار بات أصعب مع ندرة الحيوانات وانقراضها. كل هذا يستدعي منك
عزيزي القارئ أن تكون على جهوزية تامة للإبحار في دنيا المجاز، وخوض غمار رحلة
سردية - بصرية عمادها الخيال، فالكتاب اكتشاف بحق، ومؤلفه الروماني إيلاريه
فورونكا له روح ثانية، فهذا الأخير اسمه المستعار الذي نشر به واسمه الحقيقي
إدوارد ماركوس، إلا أنه انتزع الاسمَيْن والروحَيْن وانتحر، وهو في الثالثة
والأربعين من عمره.
إنّها حكاية تحوّل مفعمة بالمشاعر
والإنسانية، تذكّرنا بأسلوب كافكا أو معاصره بولغاكوف، رحلةٌ ضياعٍ وفقدانٍ
للبوصلة والهوية، تكشف عن عبقرية فورونكا كروائي ساخر ومشاغب، يقدِّم لنا درساً
أدبيّاً لمن لم يفقدوا الأمل في إنسانيتهم، رغم كل الحروب والبشاعات الشاهدة على
تدمير البشرية لنفسها حتى يومنا هذا.
ومن مقدّمة الرواية التي جاءت
بعنوان "لكُلِّ حقيقةِ تلك الأرواح المزيَّفة" نقرأ ملابسات
عثور الكاتب زياد عبدالله عليها ومن ثمّ ترجمتها: نُشِرَت
هذه الرواية الاستثنائيّة عام 1942، وهي ثاني عمل نثريّ لـ فورونكا بعدَ
"اللورد دوفين أو الذي لا يُرى وهو بالمتناول"، ولعلَّ لوقوعي على
"اعترافاتِ روح مزيَّفة" وملابساتِها أن يكونَ بمنزلةِ عثورٍ على روح
تائهة مُتغمَّدة بين آلاف الكتب التي تفوقُها حجماً أضعافاً مضاعفة، معتصرة على
الرُّفوف اللامتناهية لمكتبة هائلة، فإذا بي أنتزعها كروح، وقد كنتُ أبحث عن كتابٍ
آخَرَ لا علاقةَ له لا من قريب ولا من بعيد بها، ولم أكن قد عرفتُ حينَها بأنِّي
بفعلي ذلك أحاكي الجرّاحَ غريبَ الأطوار الذي تبدأ به الرواية أيْ ذاك الذي
"ينتزعُ روحَكَ بلمحِ البصر"، لكنِّي تيقَّنت وأنا أتصفَّح مطلعَها
بأنِّي سأُترجِمُها لا محالةَ، ولو عن لغة وسيطة هي الإنجليزية!
ويشير
عبدالله في مقدمته أيضاً إلى أن هذه الترجمة تحمل مصادقة جمالية بصرية تجسد تلك
الأروح في رسومات، "بعد أن تلبست الرواية الفنان دلدار فلمز حين شاركته مسودة
هذه الترجمة، لا بل إنها سكنته بكل ما لهذه الكلمة من معنى مجازي وواقعي، وراح
يخطها بيده كلمةً كلمة بعد أن قرأها كما لو أنه يريد لكل عبارة أن تصبح رسماً
ولوحة".
رغم رحيله المبكّر، إلّا أن إيلاريه
فورونكا أو إدوارد ماركوس؛ ترك لنا قطعةً أدبيَّة فريدة صدرت منذ أكثر مِن ثمانية
عقود، وها هي تُترجم لأوّل مرّة إلى العربية لتكون خالدة كما
الروح، بل عصيّة على الفَناء أيضاً، ولها أن تسكنَ قارئها، الذي سيكون حيال رحلة
بصرية بديعة من 88 صفحة، بمجازِها وانتمائِها إلى المستقبل حاضراً وماضياً. كيف لا
وافتتاحية فصلها الأوّل "جرّاح غريب الأطوار" تضعنا دون مقدمات في قلبِ
هذه الرحلة:
لقد كان جرّاحاً غريبَ الأطوار، ذاك
الذي ينتزع روحَكَ في رمشةِ عَيْن.
"لن تتألَّمَ، استرْخِ
على هذا الكرسيّ"، هكذا قال.
ثمَّ شرعَ في الحديث عن هذا وذاك،
عن عودة الطقس الجميل، عن آخر عروض الأوبرا، عن محادثات السلام السرِّيَّة، فنحنُ
طبعاً في حالة حرب، وثمَّة تهديدٌ دائم للسلم، لذا فإنَّ روحَكَ تهيم في ميادين
القتال، تهيم في شوارع المدينة الصاخبة، ومتى ما تخلَّيتَ عن ترقُّبِكَ أقدَمَ هذا
الداهية على انتزاعِ روحِك.
ابتسمَ قائلاً: "أرأيت؟! تمَّ
الأمرُ من دون أن تُقتل".
وأراني شيئاً أبيضَ يقطرُ دماً،
يُمسكُه بملقطين صغيرين.
كتب
فورونكا الشعر أيضاً وطبعَ مجموعته الشعريَّة الأولى "كولومبا" عام 1927
وأتبَعَها عام 1928 بـ "أوليسيس" التي تضمَّنَت رسوماتٍ لمارك شاغال،
بينما حملت مجموعتُه "نبات له خصال حيوان" (1929) رسوماتٍ لـ كونستانتين
برانكوشي. درس
فورونكا القانون في بلده، وانتقل إلى فرنسا أواخرَ عشرينيّات القرن الماضي،
وأسهَمَ في المقاومة الفرنسيّة ضدَّ النازيّة، وعاشَ قبل ذلك الحقبة
الباريسيّة "الأفانغارديّة" في الفنّ والأدب، المتَّسقة تماماً مع نزوعه
نحو التجريب، وأسهَمَ في تجلِّياتها المفصليّة ومدارسها الفنّية ومجلَّاتها
الطليعيّة.
ناصر نصر الله ينسى مرسمَه في اللّوحة
صدر حديثاً عن "محترف أوكسجين للنشر" في أونتاريو كتاب جديد للكاتب والفنان التشكيلي الإماراتي ناصر نصرالله، بعنوان "الرسّام الذي نَسِي مرسمَه في اللّوحة"، استهلّه بتساؤلٍ فنّي وإنساني: "ما الشكلُ المثاليّ للمِثالية؟" فاتحاً المجال لأسئلة الحياة والجمال والسخرية، في رحلةٍ بصرية تقترح عبر نصوصِ الكتاب معادلاتٍ فريدة للقراءة والمتعة والاكتشاف.
هل فعلاً خدعتنا الخريطة؟ أم أن
العالم يحتاجُ لفهمِه أو دحضِ واقعيته المأساوية إلى لغةٍ مغايرة؟ لغة لا تحتاجُ
عُدّة الرسم من فُرَشٍ وعُلبِ ألوان وظلّ ونور لترسمَ بها يدُ الكاتبِ خرائطَ
بديلة، ومقترحاتٍ تفاجئ القارئ وهي تحاولُ القبض على الأشياء قبل اختفائها. هكذا
إذاً "اختفَتِ الأشياءُ الأخرى بدورها في المرسم، النورُ والظلُّ، الأرضُ
والسقفُ، كلُّ الكتل والمساحات اختفت". ولتحلّ محلّها كائنات عجيبة، وحيوانات
أليفة، وأغنيات، ووصفات غير جاهزة للحياة، والكثيرَ ممّا لا يخطر على بال. وهو
تماماً ما تقوله كلمة الغلاف: "مستخلصاً من الحياة معادلات فريدة، يُثبت هذا
الكتاب أنّ الحواس تتخطى الخمس بلا أدنى شك، وأنّ معرفة العالم تأتي من عوالم
موزاية، يلتقي فيها شمالُ المدينةِ بجنوبها، ويتكوّن فيها الإنسانُ من خليطِ
عطرَيْن ونوع واحد من السجائر، فاللعب والإبداع لا يأبه بأيِّ مُحدِّدات مع الفنان
والكاتب الإماراتي ناصر نصرالله، فهو يبتكر لوناً خاصاً بالسخرية فلا هي سوداء ولا
بيضاء، وحين يبوح فإنه يستنطق الحيَّ والجامد، يضع الأصدقاء في علبة الإسعافات
الأوَّلية، ويبحث عن شمسٍ لم تشرق في منام".
هي لعبة حواسٍ ومرايا وأيام وأرقام
تتوالى في غمرة حياة صاخبة وعالمٍ متقلِّب المزاج. فالأشياء تتجاوز مسميّاتها بين
يدي ناصر نصرالله، قبل أن يحوّلها إلى نصوصٍ تعبر بنا إلى ضفاف الخيال المترامية
وإن بدت قاسية ومؤلمة، فيكتب:
"أحاوِلُ أنْ أكونَ منطقيَّاً.
تخيَّلْ أنِّي في السادسةِ وأنا أعرف توقيتَ كلِّ الحروب والمآسي، وأنِّي أعرفُ
الإجاباتِ الصحيحةَ والخاطئة".
يقول لنا
الكتاب إن
الخيال هو الأصل، وأن ما يحدثُ ليس سوى بداية الرحلة لقطارات لا تتوقف، وزمن له أن
يجلس كأحد أطراف اللعبة/الحياة، ذلك أن نصرالله يكتب نصوصه قابضاً على كلّ ما
تطاله الذاكرة والمخيّلة من مشاعر وأفكار وحكايات وأمكنة وأزمنة تتبدّل من نصٍّ
إلى آخر.
في "الرسّام الذي نَسِي مرسمَه
في اللّوحة" يثبتُ الفنّان والكاتب ناصر نصرالله أن المعادلات هي صيغةُ أخرى
لفوضى الحياة ومتاهاتها وأحلامها المؤجلة. بإيقاع هادئ ولغة تتقمّص ألوان اللّوحة
المنتظرة، اللّوحة التي يمسي فيها الخيرُ صديقاً للشرّ، بينما نعثر على
"حيوانات برّية في أعماق البحار"، ولـ شهريار أن يلتقي بدون كيشوت
بالقرب من محلٍّ مفتوح 25 ساعة في اليوم... وأيضاً يمكن للأزهار أن تتحوّل إلى
أشلاء وتواصل النمو:
تَشَظَّتِ المزهريَّةُ إلى أشلاءٍ
صغيرةٍ بعدَ مُكالمتِهما الأخيرة.
واصَلَتِ الأزهارُ النُّموَّ على
أرضيَّةِ المنزل.
وناصر نصرالله: فنّان
تشكيليّ وكاتب إماراتي. من إصداراته "كتاب مخلوقات الأشياء اليومية"
(2012). ويعمل منذ عام 2019 إلى تاريخه مديراً فنياً لسلاسل قصص مصوّرة وكتب فنية
تُصدرها مؤسسة الشارقة للفنون، منها: "كورنيش" و"بيت الحرمة"
و"الطبق الطائر" وغيرها.







