📁 تدوينات جديدة

حين تتغيّر لغة الإبداع… ولا يتغيّر الإنسان | هيفاء خاطر

حين تتغيّر لغة الإبداع… ولا يتغيّر الإنسان | هيفاء خاطر
 هيفاء خاطر | لبنان

مقال يناقش تحولات الإبداع بين الأجيال، مؤكدًا أن اختلاف اللغة والأدوات لا يلغي جوهر الإبداع، ويدعو إلى الحوار والتكامل بين التجارب.

حين تتغيّر لغة الإبداع… ولا يتغيّر الإنسان

ليس بين الأجيال جدارٌ يفصل الإبداع عن الإبداع، بل مسافةٌ تتبدّل فيها اللغة، وتتسع فيها الرؤية، وتتغيّر الأدوات. فما كان بالأمس يُكتب على الورق، قد يُقال اليوم في شاشةٍ صغيرة، وما كان يحتاج صفحاتٍ طويلة، قد تختصره لحظةٌ واحدة؛ لكن السؤال يبقى: هل تغيّرت روح الإبداع، أم تغيّرت فقط طريقته؟

إنّ الجيل الجديد لا يدخل المشهد الثقافي حاملاً قاموس السابقين، بل يأتي بلغته الخاصة، بأسئلته المختلفة، وبجرأته على إعادة النظر في كل ما اعتاد الناس قبوله. وهذا لا يعني أنه أكثر إبداعًا من سابقيه، كما لا يعني أن القديم فقد قيمته؛ فلكل جيلٍ نافذته التي يرى منها العالم.

المتنبي
المتنبي

وقد أحسن المتنبي حين قال:

وكلُّ امرئٍ يُولي الجميلَ محبّةً
وكلُّ مكانٍ ينبتُ العزَّ طيّبُ

فالقيمة لا تُمنح للفكرة لمجرد أنها قديمة أو جديدة، وإنما لما تتركه في النفس من أثر.

ولعلّ المشكلة ليست في أن يتغيّر خطاب الإبداع، بل في أن نرفض تغيّره قبل أن نفهمه. فالمنصات الرقمية لم تقتل الكلمة، كما أن سرعة العصر لم تُلغِ الحاجة إلى المعنى؛ إنما نقلت الإبداع إلى مساحاتٍ جديدة، وأعطت أصواتًا كانت بعيدة عن المنابر فرصةً لأن تُسمَع.

ومع ذلك، يبقى على الجيل الجديد أن يتذكّر أن الجرأة وحدها لا تصنع مبدعًا، كما أن مخالفة المألوف ليست إنجازًا في ذاتها. الإبداع أن تختلف لأن لديك ما تضيفه، لا لأنك تريد أن تكون مختلفًا فحسب.

وعلى الجيل السابق، في المقابل، ألا ينظر إلى كل جديد بعين الرفض؛ فربما يحمل القادمون إجاباتٍ لأسئلة لم تكن مطروحةً بالأمس.

هكذا تلتقي الأجيال: جيلٌ يمنح الذاكرة، وجيلٌ يمنح الدهشة؛ جيلٌ يحفظ الطريق، وجيلٌ يسأل عن طريقٍ آخر.

أبو القاسم الشابي
أبو القاسم الشابي

وكما قال أبو القاسم الشابي:

إذا الشعبُ يومًا أراد الحياةَ
فلا بدَّ أن يستجيبَ القدرْ

فالحياة لا تتوقف، والإبداع لا يتقاعد، واللغة لا تشيخ.

ويبقى أجمل ما يمكن أن نفعله أمام اختلاف الأجيال أن نصغي قبل أن نحكم، وأن نفهم قبل أن نرفض؛ لأن المستقبل لا يُكتب بلغة جيلٍ واحد، وإنما بأصوات أجيالٍ تتعاقب، وتختلف، ثم تترك معًا أثرًا واحدًا اسمه:.

الإبداع
تعليقات