وليد الأثوري | اليمن
كانت ملاذنا الآمن إذا تقطعت بنا السبل؛ فكنا نسعد ونطير من الفرح عندما نذهب
إلى السوق بمعية الآباء والأجداد للتسوق، ماشين على الأقدام. لا تسعنا السعادة، منتظرين
يوم الإثنين بفارغ الصبر؛ لكي نشتم رائحة المكان، وهواء الزمان، وصوت الباعة يدوي في
الأسماع، كأنه سيمفونية حب لا تنتهي في عالمنا الصغير، وطفولتنا التي نتمنى أن تعود،
ولكن هيهات للأحلام والأماني أن تعيد لنا ما مضى!
كنا نشرب فرحتنا العامرة بالشوق من فم تلك السقايات الباردة، الشبيهة حاليًا
بمبردات الثلاجات في العصر الحاضر. كانت السقايات تروي عطش الأرواح لعابري السبيل من
المسافرين طوال السنين، والذاهبين إلى الأسواق، وطلاب العلم في كتاتيب القرى، أو الدارسين
في المدارس البعيدة في تلك الحقبة الجميلة من الزمن الماضي.
السؤال الذي يجول بخاطري الآن: من الذي كان يغذي تلك السقايات بالماء طوال
العام؟
إما فاعل خير، أو من تكون السقاية في مقدمة مزرعته، طالبًا الأجر والثواب
من الله تعالى؛ ليشرب البشر والطيور. وكانت بجوار السقايات ما يُسمّى آنذاك بـ(الكريف)،
أو حوض يشبه الآن حوض الغسيل. فكان رعاة المواشي ينزلون من الجبال وقت الظهيرة، بعد
رعي الأغنام أو الإبل، لتورد الأحواض وتشرب الماء، ومن ثم العودة إلى الرعي أو إراحة
الماشية إذا كانت الشمس شديدة الحرارة.
وهكذا عاش الناس مع تلك السقايات وأحواض الماء فترة طويلة من الزمن، وتعايش
الإنسان مع بيئته بحب الأرض، وحب الأجر، وفعل الخير. كانت الأمطار لا تنقطع في فصل
الصيف، ومياه الآبار تنضح بالخير الوفير طوال العام، والحسنات لا يتوقف عدادها في ميزان
من يغذي السقايات بالماء ويصلحها إذا تعرضت للهدم من كثرة السيول أو عوامل التعرية.
فما أجمل تلك السنوات التي عاشها الآباء والأجداد مع معشر الناس من كل القرى وعابري
السبيل!
أين اختفت هذه السقايات؟ ومن السبب في إهمالها وتركها للخراب؟
أتى جيل يحمل الخراب على عاتقه، غير مبالٍ بهذا الإرث الخيري والتراثي الذي
توارثته الأجيال، حتى نال الإهمال من أبناء هذا الجيل، الذي واكب الحداثة بسذاجة لا
محل لها في قواميس اللغة. سقاية وأحواض خير، تراث اندثر، ليس بعوامل التعرية وتغير
المناخ، وإنما بفعل فاعل من أبناء جيل تركوا تراثهم يتهدم ويموت أمام أعينهم، تاركين
الخير وراء ظهورهم، مترقبين المساعدات الأجنبية من منظمات وغيرها لإصلاح ما أفسدوه
بأيديهم.
