سامية برهومي | تونس
طالعني وكر الجدة من بعيد. خلته كما هو، خالٍ، بارد، رطب، ولم أتوقع جيوش
الخفافيش والغربان، يرتطم بعضها بوجهي وقد فاجأها دخولي، فتطايرت فارة من المدخل
وكوة قريبة من السطح، فأفزعتني.
وضعت صرة ثيابي. ماذا عليّ، أيتها الجدة؟ كنتِ امرأة جميلة وصالحة، لكنك
لم تجربي البعث، وعند مقابر الأعتاب المحرمة دفنتِ الشيء الكثير.
مساء بلا طعم، بلا لون، يهجم على الهضبة، ورعدة باردة صدقتُ أنها ليست
قشعريرة رعب، تخللت أوصالي.
إذا أردتُ الانتصار على واقع لا سلطان له، فعلي أن أبدأ من هذه الهضبة،
عندها لن تنقصني الرجولة، وعندها لن أنعت بالجبن.
سأبدأ بمساء قلبي، أحيله نورًا يريني حقائق الأشياء كي لا أظلم الطبيعة..
سأحارب ملامح تسحق انبلاج الصبح، تئد أضواء التمني في غيابات الظلام، وأصوات تجهض
النجوم، سأطرد الشياطين من مملكة نفسي، وأتربع على عرش القلم.
أوراقي الباردة، زحف على بياضها سطران وجلٌ قعد بهما الجبن عن اكتساح
بقيتها لصنع مسرحيتي، إما لأنني لست أمينًا مع قلمي، أو أن القلم ليس أمينًا في
تمزقه بين مصداقية صاحبه ومسالك الأولين.
قلمي الذي لم يؤرخ غيره أن زبيدة وهارون وقفا يتبادلان التهم، وقالت
شهرزاد القرن العشرين إن الفرق بين امرأة وأخرى هو بسبب أن لا فرق بين شهريار
القرن العشرين وهارون الرشيد.
هذه زبيدة ما عادت زبيدة، وما عادت المرأة قطة قابلة للترويض. أحرقت
زبيدة أوراقه، وسلبته خصوصية الهوية، وقالت له غداة خروجه من السجن إنها أسمت
نفسها شهرزاد القرن العشرين، وأن النظر خلف هذه النافذة اليوم ممنوع جدًا؛ لأنه
الضياع في مدى لن يجد فيه نفسه.
لكنه تحدق بتحدٍّ، ويرفض اليوم الجثو على ركبتيه، وهي تؤاخذه بذنوب
العالمين، تذكره بمذابح التاريخ الأحمر على سحب بيضاء تنتظم وتتشتت، تصنع كتابًا
يلج عالمه متى شاء، يغزو مدنًا، يشنّ حروبًا وحرائق، يتقن إطفاءها ويتقن إثارتها
من جديد، وكمن يكره نفسه، كمن ينتحر، يرفض الاندحار قبل أن يتلوث جدًا بالقتل، ويا
له من قتل، ويا لها من ثوانٍ تتآكل تحت ملوحة الضجر ومرارة الاكتشاف...
اليوم، وقد خال كل أنحاء الحي، كل المدينة، كل البلاد، مؤنثات تنادي
بحقوق المرأة، حجارة نبضت فيها الحياة، فثارت على الأوضاع ترد الكيل كيلين، تشهد
بذلك قدمه المدماة، ركل بها حجارة في غضب، فأبت إلا فلق إصبعه، تشترك في مظاهرة
صاخبة مع الكلمات رصاصية الوقع تطارده: سي السيد، هارون الرشيد، الغرور والأنانية،
عقدة التملك...
والثوب الأصفر الهفهافة حواشيه، مسترخٍ على فراغه، حزين، علاه الغبار. كم
مرة لعن الصدفة التي أسمته هارون، ثم لعنها مرة أخرى لأنها جمعته بزبيدة ليقتله
التاريخ كل يوم، التاريخ والصدفة الملعونة...
انطوت تحت أجنحة الثوب الأنثوي أيام وليالي العهد الجميل، عهد الأنوثة
العفوية بضعفها وخضوعها وجمالها، والمسيطرة بطرقها الخاصة والتقليدية..
كانت غيورة عليه، وكان ضنينًا بها عن عيون الرجال.
لما ارتطم بصره بالجدران المتآكلة، تتلاطم جثته حتى آخر الزقاق، لم يكن
هناك من محكمة قد تُدين هذه المباني، التي هي اليوم شهود خُرسٌ وباردون..
وقال له المعلم سعد، بنظرة استهزاء تكيل أجزاءه، إن زوجته اشترت جل محلات
المدينة.
ودخل المنزل، فاستقبله الثوب الأصفر القديم خاليًا، وأطلعته الأنظمة
الجديدة على بنودها، وصادق تحت نظرة الحب القديم، وهو يتوهم أنه شرب حتى الثمالة..
ثم أدارت له ظهر المجن.
كان جائعًا للطعام، فلعن بصوت عالٍ الصدفة التي أسمته هارون ولاقته
بزبيدة، وكانت جائعة إليه، فلم تمهله، ثم ما لبثت أن ولّت وجهها شطر النافذة،
تتكلم وقد تشعث شعرها واغبرت ملامحها.
واليوم، وقد هجرت سجنك، ولا حرية، أسلمت مقاليد الوعي لتصاريف الألم،
وللمسات الذكريات الحانية تمسح الغبار عن الصور القديمة الجميلة، تتواتر الصور،
تداعب أوتار الحنين والحزن، وتخاطب إحداها، تخاطب أخرى.. ويطرق الدمع شفاف الشجن،
ينداح الدمع، فتتكدس الأحزان ليشتد النحيب.
