«ما يحدث ليس انتشارا للنص، بل تبديد لقيمته.»
حسن امحيل | المغرب
لم يعد من السهل اليوم أن تميز بين كاتب يكتب…
وكاتب يعيد توزيع نفسه.
ظاهرة غريبة أخذت تتسع في المشهد الثقافي: نص
واحد، يتنقل بخفة بين عشرات المنابر، يقدم كل مرة كما لو أنه ولد لتوه. لا سياق،
لا حصرية، لا حتى إحساس بالخجل المهني. فقط رغبة محمومة في الظهور، ولو عبر تكرار
مفضوح.
ما الذي حدث؟
ببساطة: لم يعد النص حدثا، بل أصبح مادة قابلة
لإعادة التدوير.
في زمن الورق، كانت الحصرية شرطا وجوديا
والتزاما أخلاقيا. النص ينتقى، يحرر، ويمنح مكانه ضمن اقتصاد ضيق لا يعترف
بالفائض. أما اليوم، فقد انهار كل ذلك تحت ضغط النشر الرقمي، حيث يمكن لأي نص أن
يعيش نسخا متعددة من نفسه، دون أن يعيش تجربة حقيقية واحدة.
لكن المشكلة لا تكمن في الوسيط وحده.
المشكلة في كاتب اكتشف أن بإمكانه أن "يبدو
غزيرا" دون أن يكون كذلك. كاتب يراهن على ذاكرة قصيرة لدى القارئ، وعلى فوضى
منصات لا تسأل: هل هذا النص نشر سابقا؟ بل تسأل فقط: هل يملأ الفراغ؟
هنا، تحديدا، يولد ما يمكن تسميته دون تردد:
الكتابة الكسولة.
هي كتابة لا تنتج، بل تعيد تدوير إنتاجها. لا
تخاطر، بل تكرر. لا تتطور، بل تتكاثر عدديا. والأسوأ من ذلك أنها تخلق وهما جماعيا
بأن المشهد الثقافي حي، بينما هو في الحقيقة يعيد استهلاك نفسه.
الأدهى أن بعض هؤلاء لا يرون في فعلهم أي إشكال.
بل قد يعتبرونه "انتشارا" أو "حضورا". والحقيقة أبسط وأكثر
قسوة: ما يحدث ليس انتشارا للنص، بل تبديد لقيمته. فالنص الذي يقال في كل مكان،
يفقد بالضرورة معنى أن يقال في مكان محدد.
أما المنابر، فليست بريئة.
جزء كبير من هذه الفوضى تغذيه منصات فقدت حسها
التحريري، واكتفت بدور الناقل. لا تدقيق، لا ذاكرة أرشيفية، لا رؤية ثقافية. مجرد
سباق صامت نحو ملء المساحات، حتى لو كان ذلك بإعادة تدوير نفس الأصوات.
والقارئ؟
تم تدريبه تدريجيا على الاستهلاك السريع، حتى لم
يعد يسأل: هل قرأت هذا من قبل؟ بل يمر عليه النص كما تمر الإعلانات: أثر لحظي، بلا
تراكم.
نحن إذن أمام مشهد لا يعاني من كثرة الكتابة، بل
من ندرة الكتابة الحقيقية.
مشهد يكافئ التكرار، ويهمل المغامرة، ويمنح
الشرعية لمن يجيد توزيع نص واحد أكثر ممن يجيد كتابة نص جديد.
قد يبدو الأمر بسيطا، لكنه في العمق مسألة تمس
جوهر الفعل الثقافي:
هل الكتابة إنتاج معنى… أم مجرد إدارة ظهور؟
في زمن كهذا، يصبح السؤال ضروريا، بل حاسما:
كم مرة يجب أن ينشر النص… قبل أن يفقد كاتبه؟
